عمله لم يسرع به نسبه " وهذه استعارة . والمراد أن من تأخر
بسوء عمله عن غايات الفضل ومواقف الفخر ، لم يتقدم إليها بشرف
نسبه وكريم حسبه ، فجعل عليه الصلاة والسلام الابطاء والاسراع
مكان التأخر والتقدم ، لان المبطئ متأخرو المسرع متقدم ، وأضافهما
إلى العمل والنسب وهما في الحقيقة لصاحبهما لا لهما ، ولكن العمل
والنسب لما كانا سبب الابطاء والاسراع ، حسن أن يضاف ذلك
إليهما على طريق المجاز والاتساع ( 1 ) .
318 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " رحم الله
حميرا أفواههم ( 2 ) سلام ، وأيديهم طعام ، أهل أمن وإيمان " ،
وهذا القول مجاز . والمراد المبالغة في صفتهم بإفشاء السلام ، وإطعام
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة مكنية وتبعية :
1 - حيث شبه عمل الانسان ونسبه بالدابة ، بجامع الايصال إلى المطلوب
في كل ، وحذفها ورمز إليها بشئ من لوازمها وهو الابطاء والاسراع لأنهما
في الغالب من خواص الدواب التي تقطع مراحل السفر .
2 - وحيث شبه عدم إيصال العمل الضعيف قليل الخير بإبطاء الدابة ، بجامع
التأخر في الوصول في كل ، وإيصال العمل كثير الخير القوى بالاسراع بجامع الوصول
بسرعة في كل ، واشتق من الابطاء أبطأ ، ومن الاسراع أسرع ، على طريق
الاستعارة التبعية .
( 2 ) الأصل أفواهم صاحبة سلام وأيديهم صاحبة طعام ، فلما أريدت المبالغة
حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار خبرا عن المبتدأ ، فهذا مجاز مرسل
من استعمال المصدر في المشتق والعلاقة الاشتقاق . كأن الأصل أفواهم مسلمة وأيديهم
مطعمة ، فاستعمل السلام والطعام بدل اسم الفاعل .