حظارا ( 1 ) يحبسه فيه ، ويقصر خطوه دونه ، فأراد عليه الصلاة والسلام
بقوله للاعرابي : " لقد تحجرت واسعا " تشبيهه بمن ضرب سياجه
على قاعة واسعة فحازها ، ومنع غيره من المشاركة فيها ، لأنه دعا ربه
أن يرحم النبي عليه الصلاة والسلام ويرحمه معه خصوصا ، وحظر
رحمته سبحانه على الناس عموما ، وكان ذلك تحجرا على الرحمة ،
وسيطرة على النعمة ، وخلافا لقوله تعالى : " ورحمتي وسعت كل
شئ " ، وفي رواية أخرى : أنه عليه الصلاة والسلام قال لما سمع
قول الأعرابي : " من هذا لقد احتظر واسعا " . والمعنى في اللفظين
واحد : لان الأول مأخوذ من الحجرة ، والثاني مأخوذ من الحظيرة ،
وقد يجوز أن يكون المراد لقد ضيق أمرا واسعا في الجملة ، وقد يجوز
أن يكون لقد وسع على نفسه فضيق على غيره ( 2 ) .
317 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من أبطأ به
هامش
( 1 ) الحظار : ككتاب وسماء : الحائط وما يحوط به على الدواب من شجر
ونحوه ، أي ضرب عليه حجابا .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه قصر رحمة الله على النبي صلى الله عليه
وسلم هو والداعي بالتحجر وهو عمل الحجرة والحائط لمنع الناس من الدخول ، بجامع
المنع في كل واشتق من التحجر بمنع المنع ، تحجرت بمعنى ضيقت ، لان كل من
عمل حائطا أو بنى حظيرة ، فقد ضيق الواسع من الأرض ، وذلك على طريق
الاستعارة التبعية .