والمراد أن الدنيا بعده عليه الصلاة والسلام تكثر فوائدها ، وتتصل
مراغدها ، فشبه نفعها لأهلها بحفاوة الوالدة بولدها ، إذا كانت ترضعه
درها ، وتمهده حجرها ( 1 ) ، وتشبل ( 2 ) عليه جهدها ، وذلك
كقولهم : قد ضم فلان فلانا إلى كنفه ، يريدون أنه قد قام بأمره ،
وأغناه من غيره ( 3 ) .
315 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " لا تعادوا
الأيام فتعاديكم " ( 4 ) . وهذا القول مجاز ، لان الأيام على الحقيقة
لا يصح أن تعادى ولا تعادى ، وإنما المراد لا تخصوا بعض الأيام
بالكراهية له والتطير به ، فربما اتفق عليكم فيه من طوارق القدر ،
وبوائق الغير ، ما يقوى في ظنونكم أنه يختص ذلك اليوم دون غيره
هامش
( 1 ) تمهده حجرها : تجعله له مهدا ينام فيه كالسرير أو غيره مما يجعل مناما
للطفل .
( 2 ) تشيل عليه : تعطف عليه .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية وتشبيه بليغ ، الأولى في قوله " اضطمتكم " حيث شبه
إقبال الدنيا بخيراتها ومنافعها على المسلمين بالاضطمام ، بجامع شدة القرب والالتحام
في كل ، واشتق من الاصطمام بمعنى شدة القرب والاقبال ، اضطمتكم بمعنى أقبلت
عليكم بشدة ، وزادت في إقبالها حتى تكون كالملتصقة بكم ، على طريق الاستعارة
التبعية . والثاني في قوله : اضطمام الوالدة ولدها ، فالأصل كاضطمام الوالدة في شدة
الحنو والعطف ، ثم حذف وجه الشبه والأداة .
( 4 ) تعاديكم : يحدث لكم فيها ما يحدث من العدو لعدوه ، فكأنها
هي العدو .