ألا ترى أن الشاعر لما جعل هذه النفوس بمنزلة المطايا المذللة ،
والظهور المحملة ، استحسن أن يقول : رحلناها مقابلة بين أجزاء اللفظ ،
وملاحمة ( 1 ) بين العجز والصدر . وليس هناك على الحقيقة ظهور
تحمل الرجال ، وتحمل الأنفال ، وإنما أراد صفة تلك النفوس بالصبر
على عض البلاء ، وعرك الادواء ( 2 ) ، ونوازل القدر ، وجواذب
الغير ( 3 ) .
314 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام كلم به
بعض أصحابه : " لن تبرحوا مبتلين ( 4 ) ما كنت بين أظهركم ،
فإذا أنا هلكت أقبلت إليكم الدنيا وأقبلتم إليها ،
واضطمتكم ( 5 ) الدنيا اضطمام الوالدة ولدها " وهذه استعارة .
هامش
( 1 ) ملاحمة : مشاكلة وموافقة ، يقال هذا لحيم هذا بمعنى وفقه وشكله .
( 2 ) الادواء : جمع داء ، عركها : تأثيرها في الأجسام .
( 3 ) الغير : أحداث الدهر المتغيرة ، جمع غيرة بكسر الغين وسكون الياء .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه صعود الحسن أو الحسين رضي الله عنهما
على ظهره صلى الله عليه وسلم بالارتحال ، بجامع الصعود على الظهر في كل ،
واشتق من الارتحال بمعنى الصعود على الظهر ، ارتحلني بمعنى صعد على ظهري ،
على طريق الاستعارة التبعية .
( 4 ) أي ستستمرون في البلاء ما دمت حيا بينكم .
( 5 ) اضطمتكم : صيغة افتعل من الضم وقلبت تاء الافتعال فيه طاء ، لوقوعها
بعد حرف الاطباق وهو الضاد تسهيلا للنطق ، لان الانتقال من الضاد إلى التاء
ثقيل ، والأصل " اضتمتكم " ، فحدث القلب كما ذكرنا ، ومثلها اضطمام أصلها
" اضتمام " فحدث فيها ما حدث في اضطمتكم " .