الكمأة ، ومفعاة ، ومحواة للأرض الكثيرة الأفاعي والحيات ، ونظائر
ذلك كثيرة ، فجعل عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات لقائلهن بمنزلة
السلاح الكثير الذي يدفع عنه المخاوف ، ويرد الأيدي البواطش .
( والاستعارة الأخرى ) قوله عليه الصلاة والسلام : ما لم يعمل يومئذ
عملا يقهرهن ، والمراد ما لم يعمل من الأعمال السيئة في يومه ما يغلب
إثمه أجر هذه الكلمات إذا قالها على الوجه المحدود فيها . وينبغي
أن يكون المراد بذلك الذنوب الصغائر دون الذنوب الكبائر ، لان
عقاب الكبيرة يعظم فيكون كالقاهر لتلك الحسنات التي ذكرها ،
والدرجات التي أشار إليها ، ولما أقام عليه الصلاة والسلام تلك الكلمات
مقام السلاح لقائلها ، جعل ما في مقابلتها من إثم مولغ ( 1 ) ، وذنب
موبق ، بمنزلة القاهر لها والثالم ( 2 ) فيها ، ملامحة ( 3 ) بين صفات الألفاظ
ومزاوجة بين فرائد الكلام ، وهذا موضع المجاز الثاني الذي أفضنا
في ذكره ، وكشفنا عن سره ( 4 ) .
هامش
( 1 ) المولغ : أي موقع ومدله في النار ، ومن ذلك ولغ الكلب في الاناء :
أدخل لسانه فيه .
( 2 ) الثالم : الكاسر ، أو المؤثر تأثيرا ينقص منها .
( 3 ) ملامحة : مشابهة ومشاكلة ، لان الملامح : المشابه .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، ومجاز مرسل واستعارة تبعية ، الأول في قوله كن له
مسلحة ، فشبه الكلمات بالمسلحة وهي مكان السلاح ، بجامع أن فيها ما يرد عوادي
الشيطان ، وحذف وجه الشبه والأداة ، والأصل كن له كالمسلحة في رد عدوان
الشيطان ، والمجاز المرسل في قوله مسلحة ، والمراد كن له سلاحا فعبر عن السلاح
بمكانه وهو مجاز مرسل علاقته الظرفية ، والتبعية في قوله يقهرهن ، حيث شبه
إذهاب فائدتهن بعمل الذنب بالقهر بجامع إذهاب الأثر والفائدة في كل ، واشتق
من القهر بمعنى إذهاب الفائدة والأثر ، يقهر بمعنى يذهب الأثر ، على طريق
الاستعارة التبعية .