ويقرطس في الأغراض ( 1 ) ، ولا يتدبرون ما وراء تلك الألفاظ
من حكم واجب ، وأمر لازم ، وفرض متعين ، وحق مبين ( 2 ) .
302 ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام أطلق
فيه الشرب في الأوعية بعد أن كان حظره ( 3 ) : " ونهيتكم عن
الشرب في الأوعية فاشربوا ما شئتم ألا من أوكى ( 4 ) سقاءه ؟
على إثم " . وهذا القول مجاز ، والمراد إطلاق الشرب في الأوعية
التي وقع النهى عنها كالدباء ( 5 ) والحنتم والنقير والمزفت إذا كان
هامش
( 1 ) يقرطس : يصيب ، والأغرض : جمع غرض ، وهو ما ينصب لإصابته
بالسهم ، والمراد يقع في الهدف ويصيبه .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة مكنية وتبعية وتشبيه مرسل ، الأولى : حيث شبه القرآن
بالقدح وحذفه ورمز إليه بشئ من لوازمه ، وهو التثقيف ، وإثبات التثقيف إلى
القرآن تخييل ، والثانية : حيث شبه تحسين القرآن وإصلاح ألفاظه بتثقيف القدح
بجامع الاصلاح في كل ، واشتق من التثقيف بمعنى الاصلاح ، يثقفون بمعنى يصلحون
على طريق الاستعارة التبعية . والثالث : حيث شبه تثقيف القرآن بتثقيف القدح
وذكر أداة التشبيه وهي الكاف .
( 3 ) كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم على المسلمين في أول الاسلام الشرب
في الأوعية التي ينتبذون فيها ، أي يضعون فيها النمر والبلح والعنب ونحوها مع
الماء فتتخمر وتصير خمرا مسكرا ، فنهاهم عن استعمالها إطلاقا منعا للخمر ، ثم بعد
ذلك أباح استعمالها في غير الانتباذ كشرب الماء . ووضع الأطعمة وكل ما ليس
بمحرم ، وسيأتي تمثيل لهذه الأوعية في كلام الشريف .
( 4 ) أوكى : ربط وأغلق .
( 5 ) الدباء : القرع ، والحنتم : جرة من خرف مدهونة ، والنقير : جذع
النخلة ينقر ويقور حق يصير كالإناء ، والمزفت : المطلى بالزفت من خارجه حتى
يسد مسام الاناء فيكون أسرع لتخمر ما فيه .