العارض في الطرف ( 1 ) ، لان الأول يحبس مجارى أنفاسه ، والثاني
يمنع مجال ألحاظه ( 2 ) .
283 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " شفاء
العي ( 3 ) السؤال " ، وهذا القول مجاز . والمراد أن الشئ إذا عى
الانسان به ، ولم يثلج صدره بمعرفته ، كان في السؤال عنه بيان التباسه
وسراح احتباسه ، فأقام عليه الصلاة والسلام العمى بمعرفة الامر
مقام الداء المطاول والكرب المماطل وأقام السؤال عنه إذا أدى إلى
العلم مقام الشفاء المزيح ( 4 ) ، والفرح المريح ( 5 ) .
هامش
( 1 ) القذى : القذر والوسخ ، والطرف : العين .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيهات ثلاثة بليغة . الأول : تشبيه عمل الجنة بالمكان الحزن فوق
ربوة عالية ، بجامع صعوبة الوصول إليه في كل ، والثاني : تشبيه عمل النار بالمكان
السهل في السهوة بجامع سهولة الوصول إليه في كل ، وحذف وجه الشبه والأداة .
أما الثالث : ففي قوله " جرعة غيظ " حيث شبه الغيظ بجرعة الدواء المر التي يتجرعها
المريض ، ويحمل نفسه على قبولها ، ولكنه يجد أثرها حسنا ، شفاء وعافية . وهذا
التشبيه الأخير أضيف فيه المشبه به للمشبه على حد قولهم : " لجين الماء " و " ذهب
الأصيل " .
( 3 ) العي : مصدر عى بالامر وعيى به : إذا لم يهتد لوجهه ولم يعرف طريق
الوصول إلى مغالقه .
( 4 ) المزيح : المبعد للمرض .
( 5 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة بالكناية ، حيث شبه الجهل بالمرض ، بجامع الفساد والألم
في كل ، وحذفه ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو الشفاء ، وإضافة الشفاء إلى
العي تخييل .