انتجع مظنة حتفه ، ونقب عن هلاك نفسه ، والمظان : الأماكن التي
إذا طلب الرجل وجد فيها ، يقال : موضع كذا مظنة من فلان :
أي معلم منه ومكان يوجد فيه . قال الشاعر :
وإن يك عامر قد قال جهلا * فإن مظنة الجهل الشباب
كأنه قال : إن الشباب موضع للجهل ، فيه تسرح سارحته ، وفيه
تنشد ضالته . وأراد عليه الصلاة والسلام : يطلب الموت في مظانه .
فلما خلع الجار وصل الفعل إلى المظان فنصبها ( 1 ) ، وذلك أقرب
في الفصاحة ، وأضرب في مذاهب البلاغة ( 2 ) .
245 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " أعوذ بك
من شر الجوع فإنه بئس الضجيع " . وهذا القول مجاز ، وإنما
جعل عليه الصلاة والسلام الجوع بمنزلة الضجيع ، لان الانسان إذا
بات طاويا كان كأنه مضاجع للجوع في مهاد ، ومبايته على فراش ،
لأنه يخلو في الليل به ، وينفرد بمعاناته ومكابدته ( 3 ) .
هامش
( 1 ) يريد أنه منصوب على نزع الخافض ، والأصل يطلب الموت في مظانه ،
فحذفت في فنصب الاسم ، لان المجرور موضعه في الواقع نصب .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه الجهاد في سبيل الله باستمرار بطلب
الموت ، لان الجهاد قد يؤدى إلى الموت ، ووجه الشبه ، السير إلى مظنة الهلاك ،
واشتق من طلب الموت بمعنى الجهاد ، يطلب بمعنى يجاهد على سبيل الاستعارة التبعية
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه ملازمة الجوع للانسان بالمضاجعة وهي النوم
بجوار الشخص ، بجامع الملازمة في كل ، واشتق من المضاجعة ضجيع بمعنى ملازم
على طريق الاستعارة التبعية .