فيركبها الانسان بضرب من الشبهة ، ولا يعلم أنه عاص بفعلها ،
ولا معاقب من أجلها ( 1 ) .
236 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد أتاه رجل
فقال : " السلام عليك يا نبي الله ، فقال : وعليك ورحمة الله ، ثم أتاه
رجل آخر ، فقال السلام عليك يا نبي الله ورحمة وبركاته ، فقال :
وعليك ، فقيل له : يا رسول الله لم لم تقل لهذا كما قلت للذي قبل ؟
فقال : إنه تشافها " فقوله عليه الصلاة والسلام : " إنه تشافها "
استعارة ، والمراد استفرغ جميع التحية ، فلم يدع منها شيئا يزاد به
على لفظه ، ويرد عليه جوابا عن قوله . والاولان أبقيا من تحيتهما
بقية ردت عليهما ، وأعيدت إليها ، وأصل ذلك مأخوذ من
التشاف ، وهو تتبع بقية الاناء والحوض حتى يستنفد جميع ما فيه ،
وتلك البقية تسمى الشفافة .
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث على المعنى الأول استعارة تبعية ، حيث شبه إتيان الذنوب العظيمة
مع معرفة ضررها ، بإغماض العين عنها حتى لا ترى ، بجامع إهمال الحذر في كل ،
واشتق من الاغماض بمعنى إهمال الحذر ، مغمضات بمعنى مهملات الحذر على طريق
الاستعارة التبعية وفي استعمال المغمضات في الذنوب مجاز مرسل علاقته السببية ،
لان الذنوب ليست هي المغمضة ، وإنما فاعلها هو المغمض عينيه عن ضررها لشدة
لذتها عنده ، وحرصه على الوقوع فيها كما تغمض الناقة العطشى عينيها وتتحمل
الضرب في سبيل الشرب لشدة حاجتها إليه . وعلى المعنى الثاني استعارة تصريحية
أيضا ، غير أن المعنى يختلف ، فإن الذنوب هنا مغمضة ، أي مستترة ، فشبهت
الذنوب الصغيرة بالشئ المغمضة عليه العين .