فجعل الأرض كالإناء الذي طفح ماؤه ، وبلغ الغاية امتلاؤه ، وفي قوله
عليه الصلاة والسلام : " طفاح الأرض " زيادة معنى على قوله : ملء
الأرض أو طلاع الأرض لان الطلاع والملء : يفيدان بلوغ الحد
في الامتلاء ، والطفاح : يفيد مجاوزة الحد في الامتلاء ( 1 ) . وقد مضى
الكلام على هذا المعنى فيما تقدم من هذا الكتاب ( 2 ) .
233 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " إن القرآن
شافع مشفع ، وماحل مصدق " وهذا القول المجاز ، والمراد أن القرآن سبب لثواب العامل به ، وعقاب العادل عنه ، فكأنه
يشفع للأول فيشفع ، ويشكو من الآخر فيصدق ، والماحل هاهنا :
الشاكي ( 3 ) ، ويكون أيضا بمعنى الماكر ، يقال : محل فلان بفلان :
إذا مكر به : قال الشاعر :
هامش
( 1 ) لعل الشريف أخذ هذا المعنى من قولهم : إناء طفحان ، إذا كان يفيض من جوانبه ، أي أنه امتلأ حتى سال ما فيه على جوانبه .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة بالكناية ، حيث شبه الأرض بالاناء بجامع كون كل منهما
مكانا للشئ يوضع فيه ، وحذفه ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو الطفاح ، لان
الاناء هو الذي يطفح ويسيل ما فيه على جوانبه وإضافة الطفاح إلى الأرض تخييل .
( 3 ) في القاموس : المحال : المكر والكيد ، وهذا هو المعنى الثاني الذي
ذكره الشريف ولم يذكر القاموس المعنى الأول ، ولعل الشريف أخذ معنى الشكاية
من قول بعضهم إن القرآن يسعى بمن لا يعمل به إلى الله ومن قوله عليه السلام
" مصدق "