فكذلك الكنوز من جواهر الأرض النفيسة ، ولما شبهها عليه
الصلاة والسلام بأفلاذ الكبد من الوجه الذي ذكرناه جعل الأرض
عند إخراجها كأنها تقيأت ودسعت ( 1 ) بما استودعته منها . وفي
قوله عليه الصلاة والسلام : " تقئ الأرض أفلاذ كبدها " زيادة
فائدة في المعنى المراد ، وهو وصف الأرض بالمبالغة في إخراج كنوزها
حتى لا يخفى منها خافية ، ولا يبقى باقية ، وذلك كما يقول القائل : قد
تقيأ فلان كبده إذا أراد المبالغة في وصفه باستيعاب جميع ما في جوفه ( 2 )
وذلك معروف في كلامهم ، وموضوع على قاعدة العرف بينهم ( 3 ) .
232 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث :
" من قال كذا وكذا ( 4 ) غفر له ولو كان عليه طفاح ( 5 ) الأرض
ذنوبا " وهذه استعارة ، والمراد : ولو كان عليه ملء الأرض ذنوبا ،
هامش
( 1 ) دسعت : دفعت وأخرجت ، وقد سبق مثلها قريبا .
( 2 ) ومثل ذلك ما يقوله الناس الآن عن الذي يتقيأ كثيرا حيث يقولون :
" رمى لحم بطنه " مبالغة في كثرة القئ ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " تقئ
الأرض " إشارة إلى أنها تخرج كنوزها بأمر الله تعالى .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه إخراج كنوز الأرض بالتقيؤ ، بجامع
الاخراج الاضطراري في كل ، واشتق من التقيؤ بمعنى الاخراج الاضطراري ، تقئ
بمعنى تخرج مضطرة ، على طريق الاستعارة التبعية .
( 4 ) كذا وكذا : كناية عن القول الذي يقوله المؤمن فتغفر له ذنوبه ، وهذا
القول هو ( لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ) في بعض الأحاديث
( وسبحان الله وبحمده ) ماية مرة في بعض الأحاديث البخاري . والجامع الصغير
( 5 ) قال في القاموس : طفاح الأرض بالكسر : ملؤها .