تلك البقية بشفافة ( 1 ) الذماء التي قد قرب انقضاؤها ، وحان فناؤها ( 2 ) .
229 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " لا ترفع
عصاك عن أهلك " ، وهذا القول مجاز على أكثر الأقوال ، وذلك
أنه عليه الصلاة والسلام لم يرد الضرب بالعصا على الحقيقة ، لان
ذلك مكروه عنده ، ومذموم فاعله . ألا تراه عليه الصلاة والسلام
يوصى أمته بأن يرفقوا بمن ملكت أيمانهم ، حنوا عليهم ، ورأفة
بهم ، ونظرا إليهم ، فكيف بالاحرار من الأهل والولد الذين حقهم
أوجب ، والحنو عليهم أولى ؟ . وإنما المراد لا ترفع التأديب عنهم ،
ولا تغب التقويم لهم ، فكنى عن ذلك بالعصا ، حملا للكلام على
عرف العرب ، لان المتعارف بينها أن التأديب في الأكثر لا يكون
إلا بقرع العصا ، وقد يجوز أن يكون المراد بذلك الاجتماع
والائتلاف من قولهم : فلان قد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم
وبدد ألفتهم ، ومنه قول صلة بن أشيم ( 3 ) لأبي السليل ( 4 ) : إياك
هامش
( 1 ) الشفافة : بضم الشين : بقية الماء في الاناء ، والذماء : بقية الروح ،
فقد شبه الشريف بقية الروح ببقية الماء . والمعنى على كلامه بقية بقية الروح ، أي
آخر آخرها .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تصريحية ، حيث شبه آخر وقت الصلاة ، التي لا يستطيع
الانسان إتمامها فيه أداء وهو وقت الحرمة يشرق الموتى ، بجامع عدم القدرة
على العمل النافع في كل من الحالتين ، واستعمل لفظ المشبه به في المشبه .
( 3 ) في القاموس : بنو أشيم كأحمد : قبيلة ، وصلة بن أشيم : تابعي .
( 4 ) هو ضريب بن نقير بصيغة التصغير فيهما كما في القاموس : أحد التابعين .