ومنه سمى الغبيط ، وهو مركب من مراكب النساء ، فكأنه
عليه الصلاة والسلام شبه لزوم الحمى له بلزوم القتب ظهر الراحلة ،
لأنه إذا ألزم ظهرها عقره ، وأكثر دبره ( 1 ) ، ويقال : قتب
معقر ( 2 ) : إذا عض الغارب ، وأدمى المناكب ( 3 ) ، فكذلك الحمى
إذا دام لبثها على الانسان هاضت ( 4 ) متنه ، وحسرت قوته ( 5 ) .
226 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " خير الناس
في آخر الزمان النومة " ( 6 ) وهذا مجاز ، والمراد بالنومة هاهنا :
الرجل الخامل الشأن الخفي المكان ، لا الكثير النوم على الحقيقة .
ومثله الحديث الآخر : " رب ذي طمرين لا نومة له لو أقسم على
الله لابر قسمه " ( 7 ) . لان الخاشع العابد ، والمنقطع الزاهد ، كثيرا
هامش
( 1 ) عقره : جرحه ، والدبر : أثر الجراح .
( 2 ) معقر : جارح .
( 3 ) عض الغارب : الغارب هو ما بين السنام إلى العنق ، وعضه التأثير فيه تأثيرا
شديدا ، والمناكب : جمع منكب وهو الكتف ، وإدماؤها جرحها حتى تدمى .
( 4 ) هاضت : أضعفت ، والمتن : الظهر ، والمراد به هنا الجسم كله أو قوته
( 5 ) حسرت قوته ، قللتها .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه دوام الحمى بإغباط الرحل على ظهر البعير
بجامع التأثير الشديد وإحداث الضرر ، واشتق من الاغباط بمعنى الإدامة ، أغبطت
بمعنى دامت .
( 6 ) النومة : النائم أو كثير النوم .
( 7 ) الطمر : الثوب البالي ، والنومة : المرة من النوم ، والمراد أنه فقير
لا يجد مكانا ينام فيه نومة واحدة ، وقد فسرت النومة في الطبعة السابقة بخمول
الذكر ، وهذا التفسير لا يطابق معنى الحديث ، لان المعنى عليه يكون هكذا .
" رب ذي طمرين لا خمول ذكر له لو أقسم على الله لابر قسمه " فنفى خمول الذكر
لا يناسب المعنى الذي ورد فيه الحديث ، والمناسب ما ذكرناه . وقد ورد في اللغة
" ماله نيمة ليلة " أي ماله موضع مبيت ليلة ، ومعنى لو أقسم على الله لابر قسمه :
أي لو دعا الله ملحا في الدعاء لاجابه إلى ما يطلب .