لان النشوق ما استنشقه الانسان بأنفه ، واللعوق ما لعقه بلسانه ،
والدسام هاهنا الشئ الذي يجعله سدادا لاذنه ، يقال منه : دسمت الشئ
أدسمه دسما : إذا سددته . والمراد بهذه الكلمات قريب من المراد
بالحديث الذي تقدم كلامنا عليه في هذا الكتاب ، وهو استعاذته
عليه الصلاة والسلام من همزات الشيطان ونفثه ونفخه . فكأنه
عليه الصلاة والسلام شبه ما يسوله الشيطان للانسان من العجب
بنفسه ، والازراء على غيره حتى يشمخ بأنفه ، وينأى بعطفه ، بالنشوق
الذي ينشقه إياه ، فيحدث له هذا الخلق الذميم ، والطبع اللئيم ،
وقوى ذلك بذكر اللعوق ، فكأن الشيطان يلعقه بهذا التسويل
لعوقا إذا وصل إلى جوفه أحدث له خيلاء الكبر ، ومدله في غلواء
العجب . وشبه عليه الصلاة والسلام صرف الشيطان للانسان عن
مراشده ، وإصمامه عن سماع قول مرشده بالدسام ، وهو الصمام الذي
تسد به الاذن ، فتحجب عن سماع الأصوات ، وزواجر العظات ( 1 ) ،
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث ثلاث استعارات تصريحية :
1 - حيث شبه وسوسة الشيطان بالنشوق الذي ينشقه الانسان فيؤثر فيه .
2 - وحيث شبه الوسوسة أيضا باللعوق ، وهو ما يلعقه الانسان فيتأثر به في
عقله أو جسمه .
3 - وحيث شبه إبعاد الشيطان الانسان عن سماع الحق بالدسام ، وهو السداد
الذي يسد به الشئ ، بجامع الحيلولة بين وصول شئ من خارج المسدود إليه ،
واستعمل لفظ المشبه به في المشبه .