لا أنه سبحانه طلب المقابلة في الكلام تأليفا لاجزائه ، وملاحمة بين
أعضائه ( 1 ) ، ويقال للجانب الأيمن الانسي ، وللجانب الأيسر الوحشي
هذا على قول البصريين ، وقال بعض الكوفيين الانسي : هو
الأيسر . وهو الذي تأتيه الناس عند الاحتلاب والركوب ، والوحشي
هو الأيمن ، وإنما سمى وحشيا لان الراكب والحالب لا يأتيان منه
وإنما يأتيان من الأيسر دونه ، ومنه قول زهير :
فجالت على وحشيها وكأنها * مسربلة من رازقي معضد ( 2 )
أراد جانبها الأيمن ، لأنها إذا فزعت حاصت ( 3 ) من جانبها
الانسي الذي تخاف أن تؤتى منه ، وهو الشمال إلى جانبها الوحشي
الذي تأمل الاتيان من ناحيته وهو اليمين . والخائف إنما يفر من
موضع الذعر والمخافة إلى موضع الامن والسلامة ( 4 ) .
221 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من شر
هامش
( 1 ) جعل للكلام أعضاء تشبيها بالانسان والمراد بالأعضاء الاجزاء .
( 2 ) جالت : دارت ، وحشيها : جانبها الأيمن ، مسريلة : لابسة ، رازقي :
ثوب من الكتان الأبيض ، والمعضد : ثوب له علم في موضع العضد ، أي أن هذه
البقرة الوحشية ، دارت على جانبها الأيمن نافرة حال كونها ، كأنها تلبس ثوب
كتان أبيض فيه علامة عند العضد .
( 3 ) حاصت : رجعت وعادت .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه أخلاق الإبل بأخلاق الشياطين في السوء ،
وحذف وجه الشبه والأداة والمشبه ، إذ الأصل أخلاقها أخلاق الشياطين .