النعم من عقلها " كذا رواه أبو عبيد ، ورواه أبو عبيدة " حادثوا
القرآن بالدرس ، فهو أشد تفصيا من صدر الرجال من الإبل المعقلة
تنزع إلى أوطانها " . فقوله عليه الصلاة والسلام : " فلهو أشد تفصيا
من صدور الرجال " . مجاز ، والمراد بالتفصي هاهنا الذهاب والتفلت .
قال الشاعر :
يا حفص ما ليلك ذا التفصي * والأثر البين للمفص ( 1 )
فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه تفلت القرآن وذهابه من
الصدر ما لم يحادث بالتلاوة ويتعهد بالقراءة ، بتفلت النعم المعقلة ( 2 )
من عقلها ، إذا لم يستظهر بإحكام عقلها ، فأقام عليه الصلاة والسلام
الاستكثار من درس القرآن في أنه يجمع مشتته ويضبط متفلته مقام
الاستظهار بعقل النعم في أنه يقصر ( 3 ) متسرعها ، ويحبس
نوازعها ( 4 ) ، والكلام هاهنا يدل بمفهومه على أن القرآن هو
المتفصي عن الصدور ، والحقيقة أن القلوب هي المتخلية منه والتاركة
له ، فلما كان الامر كذلك جاز على طريق المجاز أن يقال : إن
هامش
( 1 ) التفصي : الانفصال ، والمفص : مريد الفصل بين الشيئين ، فيقال فصى
الشئ عن الشئ وفصصه ، وفصاه : إذا فصله .
( 2 ) المعقلة : أي التي ربطت بها بالعقال .
( 3 ) يقصر : يحبس متسرعها : عن الاسراع .
( 4 ) النوازع : جمع نازعة ، وهي المشتاقة إلى المشي والرجوع إلى أوطانها .