أي قد قاربت أن تشفى على الغروب ، كما يشفى الدنف المريض
على الخفوت ، فجعلها دنفا مبالغة في وصفها بنقصان اللون وحؤول ( 1 )
الضوء على أصل وصفهم لها بالمرض ، ولوصفهم الشمس بالموت في
أشعارهم وجه آخر ، وهو أنهم إذا أرادوا أن يصفوا يوم الحرب
باشتداد الحر ، واسوداد الأفق للقتام ( 2 ) المتراكب والنقع المتعاظل ( 3 )
يقيمون تغيب الشمس ، واحتجابها ، مقام انقراضها وذهابها ،
و ( الاستعارة الأخرى ) قوله عليه الصلاة والسلام " إلى أن تمضى
كواهل الليل " ( 4 ) ، والمراد إلى أن تمضى أوائله ، فسماها كواهل تشبيها
لليل بالمطايا السائرة التي تتقدم أعناقها وهواديها ، ويتبعها أعجازها
وتواليها ، ومن هناك قالوا في الساري ليلا : اتخذ الليل جملا ، ويقولون
ركب الليل ، وامتطى الليل لما جعلوه بمنزلة الظهر المركوب والبعير
المرحول ( 5 ) .
هامش
( 1 ) حؤول الضوء : ثغيره واستحالته من الاحمرار إلى الاصفرار .
( 2 ) القتام : الغبار ، والمتراكب : المتراكم .
( 3 ) النقع : الغبار ، والمتعاظل : المتشابك .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارتان الأولى تبعية في قوله حية حيث شبه قوة الشمس بالحياة .
بجامع ظهور الأثر وشدته في كل ، واشتق من الحياة بمعنى القوة حية بمعنى قوية
على طريق الاستعارة التبعية ، والثانية تصريحية في قوله : كواهل الليل ، حيث شبه
أوائل الليل بكواهل الإبل بجامع الأسبقية في كل ، واستعمل لفظ المشبه به
في المشبه .
( 5 ) المرحول : المتخذ راحلة مركوبة عليها الرحل .