لينزوي من النخامة ( 1 ) كما تنزوي الجلدة في النار " ، يقال
انزوت الجلدة إذا انقبضت واجتمعت . وهذا الكلام مجاز ، وفيه
قولان : * ( أحدهما ) * أن المسجد يتنزه عن النخامة ، وهي البصقة ،
بمعنى أنه يجب أن يكرم عنها ، وألا يبتذل بها . فإذا رؤيت عليه
كانت شائنة له ، وزارية ( 2 ) عليه ، فكان معها بمنزلة الرجل ذي
الهيئة يشمئز مما يهجنه ( 3 ) ، وينقبض عما يدنسه ، وأصل الانزواء :
الانحراف مع تقبض وتجمع . * ( والقول الآخر ) * : أن يكون المراد
أهل المسجد ، فأقيم المسجد في الذكر مقامهم لما كان يشتمل عليهم ،
وعلى ذلك قول الشاعر :
* واستب بعدك يا كليب المجلس ( 4 ) *
والمراد أهل المجلس ، لان الاستباب لا يكون بين القاعات
والجدران ، وإنما يكون بين الانسان والانسان . فالمعنى أن أهل
المسجد ينقبضون من النخامة إذا رأوها فيه ذهابا به عن الأدناس ،
هامش
( 1 ) يقال تنخم : إذا دفع بشئ من صدره أو أنفه ، والأول البلغم والثاني
المخاط . فالنخامة تشمل الاثنين ، وقد خصها الشريف بالبصقة وهي النوع الأول
من النخامة .
( 2 ) يقال زرى عليه : عابه ، أي تكون عيبا فيه .
( 3 ) يهجنه : ينقص قدره .
( 4 ) الاستباب : افتعال من السب ، والمراد بالمجلس أهل المجلس ، أي تشاتم
أهل المجلس بعدك يا كليب ، لأنك كنت رئيسهم الذي تحفظ كرامة المجالس .