170 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " الموت
ريحانة ( 1 ) المؤمن " وهذا القول مجاز ، والمراد أن المؤمن يستروح
إلى الموت تغوثا ( 2 ) من كروب الدنيا وهمومها وروعاتها وخطوبها ،
كما يستروح ( 3 ) الانسان إلى طيب المشمومات ، ونظر المستحسنات ( 4 ) .
171 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " الدعاء سلاح
المؤمن وعمود الدين " وهذا القول مجاز ، والمراد أن المؤمن
يستدفع بالدعاء كيد الكائدين ، وظلم الظالمين : فيقوم له مقام السلاح
الذي يريق الدماء ، ويغل الأعداء ، وجعل عليه الصلاة والسلام
الدعاء عمود الدين ، لأنه لا يصدر إلا عن قلب المخلص الأواب ،
لا الشاك المرتاب ، والاخلاص قطب الدين الذي عليه المدار ،
وإليه المحار ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الريحانة : واحدة الريحان ، وهو نبات ذو رائحة عطرة محبوبة .
( 2 ) التغوث : طلب الغوث والانقاذ .
( 3 ) يستروح : بجد الراحة ، وهي مثل يستريح ، كما أن استروح ، مثل
استراح ، غير أنه حصل إعلال بالقلب في الكلمتين فقلبت الواو في الأولى ياء ،
وفى الثانية ألفا .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الموت بالريحانة بجامع استراحة النفس عند
لقاء كل . فالمؤمن يستريح إلى الموت كما يستريح من يشم الريحانة ، وحذف وجه
الشبه والأداة .
( 5 ) المحار ، المرجع ، وأصلها : المحور : بفتح الميم والواو ، فقلبت الواو ألفا
حسب القواعد الصرفية ، وفعله حار يحور : بمعنى يرجع . ومن ذلك قوله تعالى :
( إنه ظن أن لن يحور ؟ بلى إن ربه كان به بصيرا ) .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيهان ، بليغان : حيث شبه الدعاء بالسلاح في أن كلا منهما يدفع
عن صاحبه ، فالسلاح يرد الأعداء ماديا ، والدعاء يردهم معنويا ، لان الله يرد به
كيد الكائدين وظلم الظالمين ، وشبه الدعاء أيضا بعمود الدين ، في أن الدعاء لا يصدر
إلا عن الاخلاص ، والاعتقاد بأن الله هو القوى القادر فهو علامة الايمان ، ولذلك
شبه بالعمود الذي يقوم عليه البناء ، بجامع أنه إذا ذهب انهدم اليناء ، وإذا ذهب
الايمان ذهب الدين .