يصفون قوما بالقوة والاجتماع ، والكثرة والاحتشاد ، فشبهوا
قوتهم بالحديد الذي هو النهاية في الشدة ، وشبهوا كثرته ( 1 ) في أن
بعضهم ليستر بالمغفر الذي هو غطاء لما تحته من شعر الهامة ( 2 ) .
وفي هذا الكلام مسألة من الاعراب ، وهي من مسائل الكتاب ( 3 ) ،
وليس كتابنا هذا مقتضيا لذكرها فنتعاطاه ، لا سيما وغرضنا فيه اتباع
نهج الاختصار ، والانحراف عن طريق الاكثار والاطناب ( 4 ) .
129 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من كسب
مالا من نهاوش ( 5 ) أنفقة في نهابر " ( 6 ) ، وفي هذا الكلام
هامش
( 1 ) الضمير يعود على الاجتماع بمعنى الجمع .
( 2 ) قال في القاموس : " والمغفر كمنر وبهاء " زرد من الدرع يلبس تحت
القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح " فقوله يلبس تحت القلنسوة هو المراد بقوله : غطاء
لما تحته من شعر الهامة والهامة الرأس .
( 3 ) المراد بكتاب سيبويه في النحو ، وإذا أطلق الكتاب انصرف إليه ، لأنه
أعظم من كتاب ألف في النحو والمسألة من الاعراب التي أشارها إليها الشريف هي أن
جمهور البصريين يرون أن الحال لا تكون إلا نكرة ، فإذا جاءت معرفة فهي
مؤولة بنكرة ، وفي هذه الجملة : جاءو الجماء الغفير ، الجماء حال من الواو في جاءوا
وهي معرفة وكان حقا جاءوا جماء غفيرا ، ولكنها وردت هكذا في لسان
العرب ، فقال البصريون : هي مؤولة بالنكرة ، والتقدير جاءوا جميعا ،
وجميعا منكر .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
فيه على رأى الشريف استعارة تصريحية ، حيث شبه ساحة القوم بالبيضة
في أنها حافظة لما بداخلها ، وإذا سلب جزء منها سلب باقيها . واستعمل لفظ
المشبه به وهو البيضة في المشبه وهو الساحة على طريق الاستعارة التصريحية .
( 5 ) قال في القاموس : النهاوش : المظالم والاجحافات بالناس .
( 6 ) قال في القاموس : النهابر : المهالك وما أشرف من الأرض والرمل ،
أو الحفر بين الآكام الواحدة نهبرة ونهبورة بضمهما .