" ولا تسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم " ( 1 )
وهذه استعارة ، والمراد بالبيضة هاهنا مجتمع أمته عليه الصلاة والسلام
وموضع سلطانهم ، ومستقر دعوتهم ( 2 ) . وشبه ذلك بالبيضة
لاجتماعها ، وتلاحق أجزائها ، واستناد ظاهرها إلى باطنها ، وامتناع
باطنها بظاهرها . وقد يجوز أن يكون المراد بالبيضة هاهنا المغفر الذي
هو من لامة الحرب ، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه مكان
اجتماعهم ، ومظنة اتفاقهم والتئامهم ببيضة الحديد التي تحصن الدارع ( 3 )
وترد القوارع ( 4 ) . وكان شيخنا أبو الفتح ( 5 ) النحوي رحمه الله
يقول : قولهم فيها الجماء الغفير ( 6 ) ، يريدون به البيضة التي هي المغفر
وسموها جماء لملاستها ( 7 ) وغفيرا لتغطيتها ( 8 ) كأنهم بهذا الكلام
هامش
( 1 ) هذه قطعة من حديث طويل أوله " إن الله زوى لي الأرض فرأيت
مشارقها ومغاربها " الحديث .
( 2 ) في القاموس : البيضة : ساحة القوم ، والمراد أنه لا يستبيح أوطانهم ،
فيدخلها غازيا فاتحا ويتحكم فيهم . وعلى ذلك لا استعارة في الكلام ، ويجوز أن
يكون هذا معنى ثانيا ، والمعنى الذي ذكره الشريف معنى أول .
( 3 ) الدارع : لابس الدرع ، وهو قميص من حديد يلبسه المحارب ليقي صدره
وظهره من الطعنات .
( 4 ) القوارع جمع قارعة : وهي الضربات التي تأتيه من الأعداء .
( 5 ) هو أبو الفتح ابن جنى صاحب كتاب الخصائص وغيره في اللغة والنحو .
( 6 ) تقول العرب : جاءوا جما غفيرا ، والجماء : الغفير ، ويظهر أن في الجملة
تحريفا ، والأصل جاءوا يدل فيها .
( 7 ) من معاني الجماء : الملساء .
( 8 ) الغفر : الستر ، ومن ذلك غفران الذنوب : أي سترها ، والمغفر وهو
الدرع لأنه يستر صاحبه .