بامرأته يشكو خلقها فأخذ عليه الصلاة والسلام برأسيهما وقال :
" اللهم أر بينهما " وهذه استعارة ، والمراد اللهم قرب بينهما ولائم
بين خلقيهما . وذلك مأخوذ من الآري وهي الآخية التي تربط
الدابة إليها ، فكأنه عليه الصلاة والسلام دعا لهما أن يكونا كالدابتين
على الآري ، في المقاربة والملازمة وعدم النفار والمباعدة . وقد يجوز
أن يكون ذلك مأخوذا من قولهم : أربت العقدة إذا شددتها
وأحكمت عقدها ، فكأنه عليه الصلاة والسلام دعا لهما بأن يكون عقد
الود بينهما فتكون أخلاقهما متوافقة وأحوالهما متلافقة . وقد يجوز
أيضا أن يكون ذلك مأخوذا من قولهم : أرى فلان بالمكان إذا قام
به ، فكأنه عليه الصلاة والسلام دعا لهما بأن يثبتا على الألفة ، ويدوما
على المودة ( 1 ) ، والتأري أيضا : التوقع للشئ والانتظار له .
قال الشاعر :
لا يتأرى لما في القدر يرقبه * ولا يعض على شرسوفه الصفر ( 2 )
هامش
( 1 ) ترك الشريف معنى من معنى الأري هو أليق بهذا الحديث ، وهو أريت
الدابة إلى الدابة : انضمت إليها وألقت معها معلفا ، أي اللهم ألف بينهما حتى ينضما
إلى بعضهما كالدابتين المذكورتين .
( 2 ) يتأرى : ينتظر ، والشرسوف : طرف الضلع المشرف على البطن ،
والصفر : داء في البطن يصفر منه الوجه . ومعنى البيت : أن الممدوح ليس متلهفا
على الاكل ، وليس مريضا بمرض الصفر الذي يعض على أطراف أضلاعه المشرفة
على بطنه . ومن معاني الصفر الجوع ، وهو أولى هنا من غيره من معاني الصفر ،
أي أن هذا الرجل لا ينتظر طعام القدر ، ولا يعض الجوع على شرسوفه فهو
شبعان قانع ، وهذا من صفات السادة .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه التأليف بين الزوجين في عدم انفصالهما
ومحبة كل منهما للاخر بالتأليف بين الدابتين في العلف أو في الثبات أو غير ذلك
من المعاني التي ذكرها الشريف ، واستعار لفظ التأرية للتأليف ، واشتق من التأرية
بمعنى تأليف أر ، بمعنى ألف على طريق الاستعارة التبعية .