ملأى سحاء ، لا يغيضها الليل والنهار " وهذه استعارة ، لان المراد
باليمين هاهنا نعمة الله ، ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها وعموم
مراقدها ، فجعلها كالعين الثرة ( 1 ) التي لا يغيضها ( 2 ) الموائح ، ولا
تنقصها النوازح ( 3 ) . والسح : شدة المطر ، يقال : سحت السماء
سحا إذا جادت جودا ، وخص اليمين لأنها في الأكثر مظنة العطاء
ومواصلة الحباء ( 4 ) ، على طريق المجاز والاتساع . وقد شرحنا هذا
المعنى في عدة مواضع من كتبنا المشتملة على علوم القرآن ( 5 ) .
66 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " ابنوا المساجد
واتخذوها جما " ، وهذه استعارة لان المراد ابنوها ولا تتخذوا لها
شرفا فشبهها عليه الصلاة والسلام بالكباش الجم ، وهي التي قرونها
هامش
( 1 ) الترة : كثرة الماء .
( 2 ) يقال غاض الماء يغيضه وأغاضه يغيضه : إذا نقصه . والمعنى لا ينقص ماءها ،
والموائح جمع مائحة : وهي الآلات التي تخرج الماء من العيون والآبار .
( 3 ) النوازح جمع نازحة : هي مثل الموائح .
( 4 ) الحباء : العطاء .
( 5 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث كناية عن غنى الله وكرمه . لأنه إذا كانت يمينه مليئة بالخير ،
تسح سحا به ، ولا ينقصها هذا السح ما تعاقب الليل والنهار ، فلا شك أنه غنى كريم ،
واستعمال اليمين لا مانع أن يكون على الحقيقة ، فيكون لله تعالى يمينا لا نعرف
كنهها ، كما قال تعالى : " يد الله فوق أيديهم " فله يد وليست كأيدي الحوادث ،
وهذا أولى من جعل اليمين بمعنى النعمة ، فإن تشبيه النعمة باليمين غير ظاهر ، وحمل
الحديث على الكناية يناسبه قول الشريف بعد ذلك ، " وخص اليمين لأنها في الأكثر
مظنة العطاء " فمراده يد الله مطلقا ، وخصت اليمين لأنها التي يعطى بها ، ويجوز أن
يكون في الحديث مجاز مرسل علاقته السببية فأطلق اليمين وأراد العطاء لان اليد سببه .