64 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " إن قوما
يضفرون ( 1 ) الاسلام ، ثم يلفظونه ( 2 ) " ، وهذا القول مجاز ، لان
المراد أنهم يلقنون الاسلام ويعلمونه ، فيتناسونه ويفارقونه كالذي
يلقم الشئ ، فيدسع ( 3 ) به ، ولا يسيغه إلى جوفه . وذلك مأخوذ
من قولهم : ضفرت البعير أضفره ضفرا : إذا لقمته لقما عظاما .
وقد يجور أن يكون مأخوذا من قولهم : ضفر الرجل الدابة يضفرها
ضفرا : إذا ألقى اللجام في فيها ، والمعنيان متقاربان ( 4 ) .
65 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " يمين الله
هامش
( 1 ) الضفر : بفتح الضاد وسكون الفاء : إلقاء العلف في فم الدابة ، ويقال :
ضفر الدابة يضفرها بكسر الفاء في المضارع : ألقى العلف في فمها ، والفعل هنا
مبنى للمجهول ، والأصل إن قوما يضفرهم قوم الاسلام ، فحذف الفاعل وأسند
الفعل إلى المفعول .
( 2 ) يلفظونه : يقال لفظ الشئ بكسر الفاء : إذا رماه . والمعنى أنهم
يخرجونه عن أفواههم ، ومن ذلك الكلام الملفوظ به لأنه أخرج من الفم .
( 3 ) دسع يدسع : من باب منع بمعنى دفع ، والتقدير في كلام الشريف يلقم
الشئ : أي يوضع الشئ في فيه ، فيدفع به ويرميه من فيه .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارتان تبعيتان ، حيث شبه تعليم الاسلام للناس بالضفر ، وهو
إلقاء العلف في فم الداية ، وشبه تناسى الناس للاسلام ومفارقته بلفظ الشئ من
الفم ، واشتق من الضفر يضفرون بمعنى يلقنون ويعلمون ، ومن اللفظ يلفظون
بمعنى يتناسون ، ويفارقون على طريق الاستعارة التبعية ، ويجوز أن يكون في
الحديث استعارة تمثيلية حيث شبه الناس الذين يلقنون القرآن ثم يتناسونه بهبة
الدابة التي يوضع العلف في فمها ثم تلفظه ، بجامع محاولة الشئ وعدم قبوله ، فوجه
الشبه هبتة منتزعة من متعدد .