اللغات الأجنبيّة ، والفنون الرياضيّة ، أو غيرها من المعارف العصريّة ؛ فإنّك لا تنتفع بعلم ما لم يهذّبك صالح العمل .
وإليك مثلا يوقفك على الحقيقة :
إذا كان الإنسان ذا علّة توجب سقما في بدنه ، وانحطاطا في بنيته ، فاشتغل عن علاجها واستئصال شأفتها بأكل الفواكه والمطبوخات والحلوى وسائر الطيّبات ، فهل يجديه ذلك إلّا الفناء العاجل والحلول في قعر الرجم ؟
وكذلك ذو الأخلاق السيّئة ، والملكات الذميمة إذا انصرف عن علاجها إلى علم الصرف ، أو تنحّى عن تهذيبها إلى علم النحو ، أو أعرض عنها إلى علم العروض ، أو عرج على الفقه وهو لا يفقه مكارم الأخلاق ، أو اجتهد في الرياضيّات قبل أن يرتاض .
ومن أعجب ما في الإنسان مبالغته في حفظ حياته الجسمانيّة ، وعدم التفاته إلى حياته الروحانيّة ؛ يطيع الطبيب اليهودي في شرب ما تعافه الطبيعة ، وتنفّر منه النفس ؛ لاحتمال تحصيل صحّة بائدة ، ويعصي الحكيم الربّانيّ في تحصيل السعادة الدائمة . ولعلّ ذلك من عدم اليقين وضعف الإيمان ، نسأل اللّه العصمة برحمته .
فالعاقل من اجتهد في تزكية نفسه قبل العطب في مفازة الشقاء ، أو التردّي في هوّة العمى والضلالة .
ألا وإنّ للنفس الأمّارة لصوصا تختلس مكنون الإيمان وتقطع سابلة التوبة ، فأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة قبل أن يقحموكم شفا جرف الهلكات ، أو يولجوكم نيران الشهوات .
انشطوا لتربية أولادكم في حداثتهم ؛ فإنّ نفوسهم حينئذ خالية عن كلّ ملكة ، قابلة لانطباع الأخلاق فيها بسهولة كصحيفة بيضاء تقبل كلّ نقش يراد .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة زكاة الأخلاق 11
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
صزكاة الأخلاق ١١