دع الإنسان ، وعج على أخلاق البهائم تجد الفرس الجموح يكون بالعلاج منقادا سلسا ، والحيوان الوحشي يكون بالملاطفة آنسا .
ولو كان تغيير الأخلاق محالا وزو الها ممتنعا ، لبطل التأديب والسياسة ، وكانت الشرائع والأديان عبثا ، وهذا من البديهيّات الأوّليّة ، والقضايا المصحوبة بقياساتها وإن كابر في الإمكان من يترأّس بثياب العلماء وهو عن الفهم بمعزل ، حيث أصرّ على أنّ مطلق الأخلاق لا يعقل زو الها وكافّة الخلال لا يمكن تغييره بلا عروة يستمسك بها ، ولا برهان يستضيء بنوره . بيد أنّه مقلّد لشذاذ من قدماء الطبيعيّين المخالفين لجميع الشرائع والأديان ، والحاكمين هنا بضدّ العقل والوجدان ، وكأ نّه صار إلى قولهم طلبا للراحة وهربا من مشقّة الرياضة ؛ لأ نّها على رأيهم من العبثيّات ، وذلك أنّ مقاساة مشقّتها ، والصبر على أعباء كلفتها لا يحسن إلّا إذا كان ذريعة إلى زوال الأخلاق الفاسدة ، ووسيلة إلى تطهير أرجاسها ، وهذا لا سبيل إليه بناء على ذلك الرأي الفاسد .
وأمّا على ما قلناه ، فلا عذر لمن استشعر فسادا في أخلاقه ، أو نقصا في نفسه حتّى يبذل جهده في إصلاح ما فسد من ملكاته ، وإكمال ما نقص من ذاته وصفاته .
ولا ينبغي لمن أسرف على نفسه وأولع فيما يوبقها أن يقوده القنوط إلى الإعراض عن مجاهدتها ، فإنّ اللّه تعالى يقول : «
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
» « 1 » ، «
قُلْ يا
عباد
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
» « 2 » .
هامش
( 1 ) - . العنكبوت 69 : 29 .
( 2 ) - . الزمر 53 : 39 .