فلا بدّ عندئذ من الرجوع في هذا المورد إلى الأصل فيه ، إلاّ إذا كان إطلاق أحدهما
من الكتاب أو السنّة ، وإطلاق الآخر من غيرهما ، فيتقدّم الأوّل على الثاني ، وذلك لما
استظهرناه من أنّ الروايات الدالة على طرح الأخبار المخالفة للكتاب أو السنّة تشمل
المخالفة بالاطلاق أيضاً ، فإذن لا يكون هذا الاطلاق حجّة في نفسه مع قطع النظر عن
المعارضة في مقابل إطلاق الكتاب أو السنّة .
وإن كان التعارض بينهما بالعموم فعندئذ لا بدّ من الرجوع إلى قواعد ومرجّحات باب
المعارضة ، وإن كان أحد الدليلين مطلقاً والآخر عاماً فيتقدّم العام على المطلق ، لأنّه يصلح أن يكون بياناً للأوّل دون العكس . وإن كان كلاهما لبياً فلا بدّ وقتئذ من
الرجوع إلى دليل آخر من أصل لفظي أو عملي ، لفرض أنّ المتيقن منهما غير هذا الفرض ،
فلا إجماع فيه لا على مانعية هذا ولا على مانعية ذاك ، كما هو ظاهر .
نتائج ما ذكرناه لحدّ الآن عدّة نقاط :
الأُولى : أنّ النهي عن فعل غالباً ينشأ عن قيام مفسدة ملزمة فيه ، ولا ينشأ عن مصلحة
إلزامية في تركه وإلاّ لكان تركه واجباً لا فعله محرّماً وهذا خلف . والأمر به ينشأ
غالباً عن قيام مصلحة ملزمة في فعله ، لا عن قيام مفسدة كذلك في تركه ، وإلاّ لكان
تركه محرّماً لا فعله واجباً .
الثانية : أنّ الأمر كما يتعلق بالفعل باعتبار وجود مصلحة إلزامية فيه فيكون ذلك
الفعل واجباً سواء أكان وجوبه ضمنياً أم استقلالياً ، قد يتعلق بالترك كذلك أي
باعتبار وجود مصلحة ملزمة فيه فيكون ذلك الترك واجباً ، سواء أكان وجوبه استقلالياً
أم ضمنياً .
الثالثة : أنّ النواهي الواردة في أبواب العبادات جميعاً نواه إرشادية فتكون
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 350
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٣٥٠