1 - لما عرفت من أنّ قصد المعنى على أنحائها من مقوّمات الاستعمال فلا يكاد يكون من
قيود المستعمل فيه .
2 - هذا مضافاً إلى ضرورة صحّة الحمل والاسناد في الجمل بلا تصرف في ألفاظ الأطراف
، مع أنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صحّ بدونه ، بداهة أنّ المحمول على
زيد في ( زيد قائم ) والمسند إليه في ( ضرب زيد ) مثلاً هو نفس القيام والضرب ، لا بما
هما مرادان .
3 - مع أنّه يلزم كون وضع عامّة الألفاظ عاماً ، والموضوع له خاصاً ، لمكان اعتبار
خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ ، فانّه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة
فيه كما لا يخفى ، وهكذا الحال في طرف الموضوع ( 1 ) ، انتهى .
والجواب عن جميع هذه الوجوه : بكلمة واحدة ، وهي أنّ تلك الوجوه بأجمعها مبتنية على
أخذ الإرادة التفهيمية في المعاني الموضوع لها ، وقد تقدّم أنّ الإرادة لم تؤخذ
فيها ، وأنّ الانحصار المذكور غير مبتن على ذلك ، بل هي مأخوذة في العلقة الوضعية ،
فالعلقة مختصّة بصورة خاصة وهي ما إذا أراد المتكلم تفهيم المعنى باللفظ ( 2 ) .
هامش
( 1 ) كفاية الأُصول : 16 .
( 2 ) وأورد بعض الأعاظم ( قدس سره ) على ما قرّره بعض مقرري بحثه على انحصار الدلالة
الوضعية بالدلالة التصديقية ايراداً رابعاً وملخصه : هو أنّ الانحصار يستلزم أن يكون
اللفظ موضوعاً لمعنى مركب من معنى اسمي ومعنى حرفي ، كما إذا قيّد المعنى الاسمي
بإرادة المتكلم على كيفية دخول التقيد وخروج القيد ، وهذا مخالف لطريقة الوضع
المستفادة من الاستقراء ، فانّه بحسبه لم يوجد في أيّة لغة لفظ واحد موضوع لمعنى
مركب من معنى اسمي وحرفي هذا ( 1 ) . [ ( 1 ) بدائع الأفكار : 1 : 92 . ]
ويردّه أوّلاً : أنّ الاختلاف بين المعنى الحرفي والاسمي كما عرفت اختلاف بالذات
والحقيقة لا باللحاظ الآلي والاستقلالي ، فالمعنى الحرفي حرفي وإن لوحظ استقلالاً ،
والمعنى الاسمي اسمي وإن لوحظ آلياً ، وقد اعترف هو ( قدس سره ) أيضاً بذلك ، وعليه
فالإرادة معنى اسمي وإن لوحظت آلة ، ولا تنقلب بذلك عن المعنى الاسمي إلى المعنى
الحرفي حتّى يلزم وضع اللفظ لمعنى مركب من معنى اسمي وحرفي . على أنّك قد عرفت أنّ
المعنى الحرفي كالمعنى الاسمي ملحوظ استقلالاً لا آلياً ، فلا وجه حينئذ لتخصيص
الايراد بصورة أخذ الإرادة قيداً لا جزءاً ، إلاّ أن يكون مراده من المعنى الحرفي
نفس التقيد بالإرادة لا نفس الإرادة ، فانّه معنى حرفي . ولكنّه مدفوع أوّلاً :
بالنقض بوضع الألفاظ للمعاني المركبة أو المقيدة ، فانّ معانيها متضمنة للمعنى
الحرفي لا محالة ، إذ كل جزء مقيد بجزء آخر فالتقيد معنى حرفي . وثانياً : أنّه لا
مانع من وضع لفظ لمعنى مركب من معنى اسمي وحرفي إذا دعت الحاجة إليه ، فإذا فرض أنّ
الغرض تعلّق بوضع الألفاظ للمعاني المقيّدة بإرادة المتكلم فلا مانع من وضع الألفاظ
لها كذلك ، إذ الوضع فعل اختياري للواضع فله أن يقيد المعنى الموضوع له بقيود ما
ولا محذور فيه ، والاستقراء المدعى في كلامه ( قدس سره ) لو تمّ فلا يدل على استحالة
ذلك الوضع . على أنّ ذلك لو تمّ فانّما يتم إذا كان الواضع من أهل كل لغة واحداً أو
جماعة معينين ليثبت له الطريقة الخاصة في الوضع التي فرض عدم جواز التخلف عنها ،
إلاّ أنّه فرض في فرض .
وثانياً : أنّه لا أساس لذلك الايراد أصلاً ، فانّه مبتن على أخذ الإرادة في المعنى
الموضوع له ، وأمّا إذا لم تؤخذ فيه أبداً ، بل كانت مأخوذة في العلقة الوضعية
فلا مجال لذلك الايراد .
( 1 ) وأورد بعض الأعاظم ( قدس سره ) على ما في تقريرات بعض تلاميذه على ذلك بما ملخّصه
هو : أنّ اللفظ لا يدل بالدلالة الوضعية على أنّ المتكلم أراد المعنى في الواقع ،
لأنّ تحصيله بالوضع لا يمكن فالذي يمكن تحصيله بالوضع هو الدلالة التصورية ،
ضرورة أنّ السامع شاك في أنّ المتكلم يريد هذا المعنى واقعاً فيفتقر السامع في
إحراز أنّ المتكلم أراد هذا المعنى في الواقع إلى دلالة أُخرى كأصالة الظهور
والحقيقة ، فلا يكون الوضع وحده كافياً لاثبات ذلك ، ومعه فالوضع لذلك يصبح لغواً
وعبثاً ، فلا يكون هذا غرضاً للواضع من الوضع ، بل الغرض منه تهية مقدمة من مقدمات
الإفادة ( 1 ) . [ ( 1 ) بدائع الأفكار 1 : 93 . ]
أقول : لا شبهة في أنّ الغرض الداعي إلى الوضع الباعث للواضع الحكيم عليه إنّما هو
إبراز المقاصد والمرادات النفسانية ، فلولا الجعل والمواضعة والتعهد بذكر الألفاظ
عند إرادة تفهيم المعاني لم يمكن إبرازها ، بل اختلت أنظمة الحياة كلّها ، فلذلك
يصبح الوضع ضرورياً ، ولولا ذلك لما احتجنا إلى الوضع أبداً ، فالتشكيك فيه تشكيك
في البداهة . وعلى ذلك فلا يشك أيضاً أحد في أنّ اللفظ الصادر من المتكلم يدل على أنّه أراد تفهيم معناه بمقتضى قانون الوضع ، فهذه الدلالة لا تتوقف على ما عدا إحراز
كون المتكلم في مقام التفهيم ، وهي موجودة حتّى فيما إذا علم المخاطب كذب المتكلم في
كلامه إذا لم ينصب قرينة متصلة على أنّه ليس في مقام التفهيم .
ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره ( قدس سره ) من الايراد مبني على الخلط بين الإرادة
التفهيمية والإرادة الجدية ، فانّ الثانية يحتاج إثباتها في الواقع ومقام الثبوت
إلى مقدمة أُخرى وهي التمسك بأصالة الظهور أو الحقيقة دون الأُولى .
وعلى الجملة : فاللفظ بمقتضى قانون الوضع والتعهد يدل على إرادة المتكلم تفهيم
معناه سواء كانت هذه الإرادة متصادقة مع الإرادة الجدية في مقام الثبوت والواقع أم
كانت على خلافها .