المحققين إلى الثاني ، أي إلى انحصار الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية .
التحقيق حسب ما يقتضيه النظر الدقيق : هو القول الثاني ، والوجه فيه أمّا بناءً على
ما سلكناه في باب الوضع من أنّه عبارة عن التعهد والالتزام فواضح ، ضرورة أنّه لا
معنى للالتزام بكون اللفظ دالاًّ على معناه ولو صدر عن لافظ بلا شعور واختيار ، بل
ولو صدر عن اصطكاك حجر بآخر وهكذا ، فانّ هذا غير اختياري فلا يعقل أن يكون طرفاً
للتعهد والالتزام ، وعليه فلا مناص من الالتزام بتخصيص العلقة الوضعية بصورة قصد
تفهيم المعنى من اللفظ وإرادته . سواء كانت الإرادة تفهيمية محضة أم جدية أيضاً ،
فانّه أمر اختياري فيكون متعلقاً للالتزام والتعهد .
وعلى الجملة : قد ذكرنا سابقاً ( 1 ) أنّ اختصاص الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية
لازم حتمي للقول بكون الوضع بمعنى التعهد والالتزام . وأمّا الدلالة التصورية وهي
الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ ، فهي غير مستندة إلى الوضع ، بل هي من جهة
الأُنس الحاصل من كثرة الاستعمال أو من أمر آخر ، ومن ثمة كانت هذه الدلالة موجودة
حتّى مع تصريح الواضع باختصاص العلقة الوضعية بما ذكرناه .
بل إنّ الأمر كذلك حتّى على ما سلكه القوم في مسألة الوضع من أنّه أمر اعتباري ،
فانّ الأمر الاعتباري يتبع الغرض الداعي إليه في السعة والضيق ، فالزائد على ذلك
لغو محض ، ولما كان الغرض الباعث للواضع على الوضع قصد تفهيم المعنى من اللفظ وجعله
آلة لاحضار معناه في الذهن عند إرادة تفهيمه ، فلا موجب لجعل العلقة الوضعية
واعتبارها على الإطلاق ، حتّى في اللفظ
هامش
( 1 ) في ص 48 .