قصد المتعاقدين اللفظ والمعنى
* قوله ( رحمه الله ) : قصدهما لمدلول العقد ( 1 ) .
( 1 ) الكلام في المسألة يقع من جهات : الأُولى : اعتبار قصد اللفظ والمعنى وهذا هو
المعروف ، فلا بدّ أن يقصد كل من المتبايعين اللفظ بأن لا يكون صدوره منه لسبق
اللسان ونحوه ، كما أنه لا بدّ من قصدهما المعنى وهو إبراز اعتبار المبادلة بين
المالين ، فإذا قصد اللفظ ولم يقصد المعنى كما في الهازل أو من كان في مقام عدّ
الصيغ فقال بعت ، فإنه لا يتحقق به البيع . وبعبارة أُخرى قد تقدم أنّ البيع متقوّم
بأمرين الاعتبار النفساني وابرازه خارجاً ، فلا بدّ في تحققه من ثبوت كلا الأمرين ،
فقصد اللفظ والمعنى من مقوّمات البيع فلا يصح التعبير عنه بشرط العقد أو المتعاقدين
فانّ الشرط إنما يطلق على الأمر الخارج عن حقيقة المشروط .
* قوله ( رحمه الله ) : بعدم تحقق القصد في عقد الفضولي والمكره ( 2 ) .
( 2 ) ذكر الشهيد في المسالك ( 1 ) أنّهما قاصدان للفظ دون المعنى . ونقول أمّا المكره
فهو بحسب الغالب قاصد للمعنى كما أنه قاصد للفظ إلاّ إذا كان ملتفتاً فيجري العقد
بنحو التورية ولا يقصد معناه ، فالاكراه غير مستلزم لعدم قصد المعنى ، كما أنّ
الاكراه على الأُمور الخارجية من الأكل والضرب ونحوهما لا يستلزم عدم قصد حقيقتها ،
فما يكون عقد المكره فاقداً له ليس إلاّ طيب النفس ولذا ينفذ إذا لحقه ، ولو لم يكن
المكره قاصداً للمعنى فحقيقة البيع لا تكون متحققة فكيف ينفذ بلحوق طيب النفس به
الذي هو ممّا اتّفقت عليه آراء الخاصّة في قبال العامة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) المسالك 3 : 156 .
( 2 ) الحنفية وافقوا الخاصّة بصحّته مع الإجازة اللاحقة وهذه نصوصهم في كتبهم
الفقهية قال الكاشاني الحنفي في بدائع الصنائع ج 7 ص 186 كتاب الاكراه :
الاكراه يوجب فساد البيع لفقده الرضا ويزول الاكراه بإجازته ورضاه . وقال في ص 188
إذا كان البائع والمشتري مكرهين جميعاً على البيع والشراء فلكل منهما خيار الفسخ
والإجازة لأنّ البيع فاسد في حقهما والثابت بالبيع الفاسد ملك غير لازم ، فان أجازا
جميعاً جاز وإن أجاز أحدهما دون الآخر جاز في جانبه وبقي الخيار في حقّ صاحبه . وفي
المبسوط للسرخسي الحنفي ج 24 ص 93 كتاب الاكراه باب الاكراه على البيع : إذا أكرهه
على بيع عبده الذي يساوي عشرة آلاف درهم من هذا الرجل بألف درهم ففعل وقبض الثمن
ولمّا تفرقوا من المجلس قال البائع : أجزت البيع كان جائزاً ، لأن الاكراه لا يمنع
انعقاد أصل البيع فقد وجد ما به ينعقد البيع من الايجاب والقبول من أهله في محل
قابل له ، ولكن امتنع نفوذه لانعدام تمام الرضا بسبب الاكراه فإذا أجاز البيع غير
مكره فقد تم رضاه به ، فإذا أجاز بيعاً باشره غيره نفذ بإجازته ، فإذا أجاز بيعاً
باشره هو بنفسه فهو أولى به ، انتهى . وحكى عن الحنفية في الفقه على المذاهب
الأربعة ج 2 ص 161 مثل ذلك .
نعم عند الحنابلة والمالكية والشافعية بطلان بيع المكره وعدم تأثير لحوق الإجازة
فيه ففي الفروع لابن مفلح الحنبلي 4 : 3 ونيل المآرب لعبد القادر الشيباني الحنبلي
ج 1 ص 83 في البيع شرطه الرضا فلا يصح بيع المكره بغير حقّ . وفي المدوّنة لمالك 3 :
209 باب العتق قال مالك : لا يجوز على المستكره شيء من بيع وعتق ونكاح ووصية وصلح
سواء أكرهه السلطان أو غيره . وفي مختصر أبي الضياء في فقه مالك ج 5 ص 8 لا يلزم في
الجبر على البيع إجماعاً ولا على سببه على المذهب لقوله تعالى : ( إِلاَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض ) وقوله ( صلّى الله عليه وآله ) : « لا يحلّ مال امرئ
مسلم إلاّ عن طيب نفس » .
وفي المهذّب لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي 3 : 10 والمنهاج للنووي ص 94 وشرحه تحفة
المحتاج لابن حجر 2 : 88 كتاب البيع لا يصح عقد المكره في ماله بغير حق لعدم الرضا
واستدلّ له في المهذّب بقوله ( عليه السلام ) : « إنّما البيع عن تراض » فدلّ على
أنّه لا بيع عن غير تراض .
وبذلك نقل فتواهم في الفقه على المذاهب الأربعة : 2 : 161 - 163 .