على أنّها لو تمّت فإنما تدل على فساد بيع ما لا نفع فيه لخسّته ، لكونه ممّا يجيء منه الفساد محضاً ، ولا تشمل ما لا نفع فيه لقلّته كحبّة من الحنطة ، إذ ليست فيه جهة فساد أصلا .
ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه فهي مختصة بالحرمة التكليفية على ما تقدّم في أول الكتاب ( 1 ) فلا تشمل الحرمة الوضعية ، ويضاف إلى ما ذكرناه كلّه أنّها ضعيفة السند ، فلا يصح الاستدلال بها .
الوجه الخامس : دعوى غير واحد من الأعاظم الإجماع على ذلك .
وفيه : أنّ المحصّل منه غير حاصل ، والمنقول منه ليس بحجّة ، على أنّا لا نطمئن بوجود الإجماع التعبّدي الكاشف عن الحجّة المعتبرة ، لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة في المسألة .
وربما يؤيد القول بالجواز بصحيحة محمد بن مسلم الصريحة في جواز بيع الهر ( 2 ) ، مع أنه ممّا لا نفع فيه ، بل كثيراً ما يضر الناس . وفي التذكرة : لا بأس ببيع الهر عند علمائنا ، وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحمّاد والثوري ومالك والشافعي ( 3 )
هامش
( 1 ) في ص 11 .
( 2 ) قد تقدّمت الرواية في ص 147 . وفي المستدرك 13 : 90 / أبواب ما يكتسب به ب 12 ح 3 عن دعائم الإسلام 2 : 20 / 30 عن علي ( عليه السلام ) « أنه رأى رجلا يحمل هرّة فقال : ما تصنع ؟ قال : أبيعها ، فلا حاجة لي بها ، قال : تصدّق بثمنها » وهي مرسلة .
( 3 ) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 209 عن الحنفية : يصح بيع الحيوانات بأجمعها سوى الخنزير . وعن الحنابلة أنه هل يصح بيع الهر ؟ خلاف ، والمختار أنه لا يجوز .
أقول : الظاهر أنّ القائلين بحرمة بيع الهر قد استندوا إلى جملة من الأحاديث المروية عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، وقد أخرجها البيهقي في سننه 6 : 11 ، منها ما عن جابر قال : « نهى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) عن ثمن الكلب والسنّور » . ومنها ما عن عبد الرزاق باسناده عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) « نهى عن ثمن الهر » . ومنها ما عن جابر أيضاً : « نهى رسول الله عن أكل الهر وأكل ثمنه » .