شرح
أمّا المقام الأوّل : فقد ادعي دلالة الآية المباركة على عدم جواز تزوج المؤمن من المشركة والزانية .
إلَّا أن الإشكال عليه ظاهر ، ولا يكاد يخفى فإنّ هذه الآية الكريمة أجنبية عن محل الكلام ، ولا تصلح للاستدلال بها على المدعى .
والوجه في ذلك أنّ هذه الآية غير ناظرة إلى التزوج بالمرة ، وإنّ المراد بالنكاح فيها إنّما هو نفس الفعل أعني الوطء وبذلك فتكون هذه الآية بصدد الإخبار عن الأمر الواقع دون الإنشاء والتشريع ، كما يرشدنا إلى ذلك ورود هذه الآية بعد قوله تعالى : * ( الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ . . . ) * ( 1 )( 1 ) سورة النور 24 : 2 .بلا فصل .
فإنّ الظاهر من ذلك بيان أنّ الزاني لا يزني إلَّا بزانية أو مشركة ، وأنّ الزانية لا يزني بها إلَّا زانٍ أو مشرك ، وأنّه لا بدّ في تحقق هذا الفعل الشنيع من شخصين من سنخ واحد ، بحيث لو لم يكن هنالك زانٍ لما تحقق الزنا من الزانية أو المشركة ، كما أنّه لو لم تكن هناك زانية أو مشركة لما تحقق الزنا من الزاني ، فإنّه فعل واحد لا يتحقق إلَّا من شخصين من نمط واحد ، وبذلك فيكون مدلولها مدلول المثل المعروف ( إنّ الطيور على أمثالها تقع ) .
ومما يدلنا على أنّ الآية المباركة ليست بصدد التشريع أُمور :
الأوّل : أنّ الآية المباركة تضمنت استثناء نكاح الزاني من المشركة ونكاح الزانية من المشرك ، والحال أنّ الزواج في هذين الموردين باطل بإجماع المسلمين .
إذن فلا معنى لحمل الآية الكريمة على التشريع ، إذ لا يصح استثناء الموردين من الحرمة .
الثاني : أنّ مقتضى حمل هذه الآية على التشريع هو اعتبار أنْ لا يكون الزوج زانياً في صحة الزواج ، وهو لا قائل به على الإطلاق . فإنّ ما وقع فيه النزاع إنّما هو اعتبار عدم كون الزوجة زانية ، أما اعتبار عدم كون الزوج زانياً فلا قائل به .
وبعبارة أخرى : إنّ محل النزاع بين الأصحاب إنّما هو اعتبار عدم الزنا في جانب