شرح
وكيفما كان ، فهذا القول الذي صرّح به في الحدائق من التخيير بين الصيام والفداء لا يمكن المصير إليه بوجه ، لكونه على خلاف ظاهر الآية الكريمة جزماً ، فإنّ في العدول من الخطاب في قوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) * إلخ ، إلى الغيبة في قوله سبحانه : * ( وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) * إلخ ، دلالة واضحة على أنّ المراد من المعدول إليه طائفة أُخرى غير المخاطَبين بالصيام المنقسمين إلى صحيح حاضر ومريض أو مسافر ، وأنّ الصوم وظيفة لغير هؤلاء حسبما تقدّم .
وعليه ، فالعود ثانياً إلى الخطاب في قوله تعالى : * ( وأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) * كاشفٌ عن رجوع هذه الفقرة إلى من خوطب أوّلًا وكونه من متمّمات الخطاب السابق لا من متمّمات الغيبة المعدول إليها ، وإلَّا لكان مقتضى السياق التعبير بلسان الغيبة أيضاً بأن يقال هكذا : وأن يصوموا خير لهم ، بدل قوله سبحانه : * ( وأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) * .
وكأنّه سبحانه وتعالى أشار بذلك إلى أنّ التكليف بالصيام أداءً أو قضاءً يعود نفعه وفائدته إليكم لا إليه سبحانه الذي هو غني عن عباده . فهو إذن خيرٌ لكم كما ورد نظيره في آية التيمّم ، قال تعالى : * ( ولكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) * ( 1 )( 1 ) المائدة 5 : 6 .إيعازاً إلى أنّ الغاية من التيمّم تطهير النفوس وتزكية القلوب من غير رجوع أيّ نفع من أعمال العباد وطاعاتهم إليه سبحانه .
وعلى الجملة : فهذه الفقرة تأكيد للخطاب السابق ومن ملحقاته ، ولا علاقة ولا ارتباط لها بالجملة الغيابيّة المتخلَّلة ما بين الخطابين لتدلّ على الترخيص وجواز الصيام فضلًا عن أفضليّته .