الطعام مع حبّه ؛ لشدّة جوعهم بسبب صومهم ثلاثة أيّام لا يذوقون في لياليها غير الماء ، وهذا على حدّ قوله تعالى : «
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
» « 1 » ، وقوله سبحانه : «
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
» « 2 » ، وقوله : «
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
» « 3 » .
وإنّما كانت هذه الشهادة أعظم ؛ لكشفها عن كمال نفوسهم ، وبلوغهم أقصى الغايات في حبّ الخير والإيثار على أنفسهم ؛ إشفاقا على المسكين ، ورأفة باليتيم ، وعطفة على الأسير . وأنت تعلم أنّهم لو لم يؤثروهم لما كان عليهم في ذلك من جناح ، لكنّهم مثّلوا الحنان والمرحمة بأجلى مظاهرهما حين لم يكونوا مكلّفين بذلك ولا مسؤولين عنه ، وتلك من أفضل صفات المقرّبين .
بقي أعظم الشهادات وأجلّها ، وأقوى الأدلّة على تزكيتهم وأدلّها ، ألا وهو الذي أشار إليه سبحانه وتعالى حيث قال بلسان حالهم عن مكنون سرائرهم : «
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً
» بفعل تفعلونه «
وَلا شُكُوراً
» بقول تقولونه : «
إِنَّا نَخافُ
( 1 )
مِنْ رَبِّنا يَوْماً
» موصوفا على سبيل المجاز بكونه «
عَبُوساً قَمْطَرِيراً
» شديد العبوس ، تشبيها له في شدّته وضرره وتخويفه بالأسد العبوس ، أو بالحاكم المتنمّر
شرح
( 1 ) فعن مجاهد - كما في الكشّاف « 4 » وغيره « 5 » - أنّهم لم يقولوا حين أطعموا الطعام شيئا ، وإنّما علمه اللّه منهم فأثنى به عليهم ، وهذا من عظيم عنايته بهم .
هامش
( 1 ) - . البقرة 177 : 2 .
( 2 ) - . آل عمران 92 : 3 .
( 3 ) - . الحشر 9 : 59 .
( 4 ) - . الكشّاف 668 : 4 - 669 ، ذيل الآية 8 من سورة الإنسان 76 .
( 5 ) - . كالطبري في جامع البيان 361 : 12 ، ح 35787 .