واستو قد صدرها الغبن ، حين ذهبت كاظمة ، ورجعت راغمة ، ثمّ انكفأت إلى قبر أبيها باكية شاكية قائلة ( 1 ) :
«
قد كان بعدك أنباء وهنبثة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها
واختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا ( 2 )
فليت بعدك كان الموت صادفنا
لمّا قضيت وحالت دونك الكثب
» ولم تزل - بأبي هي وامّي - بعد أبيها صلى الله عليه وآله وسلم ذات غصّة لا تساغ ، ودموع تترى من مقلة عبرى ، قد استسلمت للوجد ، وأخلدت في بيت أحزانها إلى الشجون ، حتّى لحقت بأبيها صلى الله عليه وآله وسلم معصّبة الرأس ، قد ضاقت عليها الأرض برحبها .
فلمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من دفنها في ظلام الليل ، ورهقه من الحزن عليها ما عيل به صبره ، وضاق به صدره ، استقبل بوجهه ضريح رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يشكو إليه بثّه وحزنه ، وقد جاشت في صدره غصص الهموم واعتلجت فيه حزازات الغموم ، فقال - وهو يجرض بريقه ، ويميد به شجوه ، وقد انحلّت عقود دموعه ، وتناثرت لآلئ جفونه - :
« السلام عليك ( 3 ) يا رسول اللّه عنّي ، وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة
شرح
( 1 ) كما في ص 93 من المجلّد 4 من شرح النهج للعلّامة ابن أبي الحديد « 1 » .
( 2 ) الموجود في شرح النهج : واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب ، لكنّ الصحيح ما أثبتناه ، وهو المأثور عندنا . ومعنى نكبوا : عدلوا « 2 » .
( 3 ) هذا الكلام من الثابت عنه عليه السلام المأثور في كتاب نهج البلاغة « 3 » .
هامش
( 1 ) - . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 212 : 16 . للمزيد راجع : الأمالي للمفيد : 41 ، المجلس 4 ، ح 8 ؛ مناقب آل أبي طالب 237 : 2 ؛ دلائل الإمامة : 35 .
( 2 ) - . لسان العرب 770 : 1 ، « ن . ك . ب » .
( 3 ) - . نهج البلاغة : 433 - 434 ، الكلام 202 . راجع أيضا : مناقب آل أبي طالب 413 : 3 ؛ روضة الواعظين 349 : 1 - 350 ، ح 365 ؛ شرح نهج البلاغة 265 : 10 .