شرح
منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) المتقدّمة آنفاً ، فقد قيل : إنّها تتضمّن قرينتين تشهدان بذلك :
إحداهما : اقتران النهي عن القراءة في الأُوليين بالنهي عنها في الأخيرتين حيث قال ( عليه السلام ) فيها : « ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين » ، ومن الواضح أنّ النهي في الأخيرتين تنزيهي ، فكذا في الأُوليين ، لاتحاد السياق .
وفيه أوّلًا : ما ذكرناه في الأُصول ( 1 )( 1 ) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 130 132 ، [ وقد ذكر ذلك في صيغة الأمر فقط ] .من أنّ الوجوب والحرمة وكذا الاستحباب والكراهة ليسا من مداليل الألفاظ ، وإنّما يستفادان من حكومة العقل بمناط وجوب الطاعة ، فإنّ صيغة الأمر لا تدلّ إلَّا على إبراز اعتبار الشيء وجعله في ذمّة المكلف ، كما أنّ النهي لا يدلّ إلَّا على اعتبار محروميته عنه . فإن لم يقترن بالترخيص في الترك أو في الفعل انتزع منه الوجوب أو الحرمة بحكم العقل عملًا بوظيفة العبودية وخروجاً عن عهدة الطاعة ، وإن اقترن بالترخيص في أحدهما انتزع منه الاستحباب أو الكراهة ، من دون أن تكون الصيغة بنفسها مستعملة في شيء من ذلك .
وحيث قد ثبت الترخيص من الخارج بالإضافة إلى الأخيرتين ، ولم يثبت في الأوّلتين التزمنا بالكراهة في الأوّل وبالحرمة في الثاني ، من دون أن يستلزم ذلك تفكيكاً في ظاهر اللفظ كي يتنافى مع اتحاد السياق .
وثانياً : سلَّمنا استفادتهما من اللفظ ودلالة الصيغة بنفسها عليهما لكن الصحيحة تضمّنت حكمين لموضوعين في جملتين مستقلَّتين ، غاية الأمر أنّهما اجتمعا في كلام واحد ، فأيّ مانع من إرادة الحرمة في إحداهما والكراهة في الأُخرى بعد تغاير الجملتين موضوعاً وحكماً . ومجرّد الاجتماع في كلام واحد لا يستوجب الاتّحاد في الحكم . وحديث السياق لو سلَّم فمورده ما إذا كان هناك حكم واحد لموضوعين في جملة واحدة مثل قوله : اغتسل للجمعة والجنابة ، كما لا يخفى .