للناس بالتكذيب والحجة ، ألا يكون الله أرسله إلى الناس بشيرا أو نذيرا ، وداعيا
إلى الله بإذنه وسراجا منيرا يبشر بالجنة من أطاعه ، وينذر بالنار من عصاه ، فقد
حملوا من ذلك أكثر ما زينوا لأنفسهم من التكذيب ، وزينوا للناس [ من مخالفة ]
فعله ودفع رسالته وطلب الغائلة له ، والأخذ عليه بالمرصاد ، فهموا برسول الله
وأرادوا قتله وأعانوا المشركين من قريش وغيرهم على عداوته والمماراة في نقضه
وجحوده ، واستوجبوا بذلك الانخلاع عن عهد الله والخروج من ذمته ، وكان من
أمرهم في يوم حنين وبني قينقاع وقريظة والنضير ، ورؤسائهم ما كان : من موالاتهم
أعداء الله من أهل مكة على حرب رسول الله ، ومظاهرتهم إياهم بالمادة من القوة
والسلاح ، إعانة على رسول الله ، وعداوة للمؤمنين .
خلا ما كان من أهل النصرانية ، فلما لم يجيبوا إلى محاربة الله ورسوله لما
وصفهم الله من لين قلوبهم لأهل هذه الدعوة ، ومسالمة صدورهم لأهل الاسلام ،
وكان فيما أثنى الله عليهم في كتابه وما أنزله من الوحي أن وصف اليهود وقساوة
قلوبهم ورقة قلوب أهل النصرانية إلى مودة المؤمنين ، فقال : * ( لتجدن أشد الناس
عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين
قالوا إنا نصارى ، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . . .
الصالحين ) * ( 1 ) وذلك أن أناسا من النصارى وأهل الثقة والمعرفة بدين الله ، أعانونا
على إظهار هذه الدعوة وأمدوا الله ورسوله فيما أحب من إنذار الناس وإبلاغهم ما
أرسل به .
وأتاني السيد وعبد يشوع وابن حجرة وإبراهيم الراهب وعيسى الأسقف في
أربعين راكبا من أهل نجران ، ومعهم من جلة أصحابهم ممن كان على ملة النصرانية
من أقطار أرض العرب وأرض العجم فعرضت أمري عليهم ، ودعوتهم إلى تقويته
هامش
( 1 ) المائدة : 82 - 84 .