فإذا أبرأه المودع من الضمان ، أو أذن له في حفظها بعد ذلك فوجهان . أحدهما
وهو ظاهر قول الشافعي : يبرأ من الضمان ، لأن الضمان وجب لحقه فسقط
باسقاطه له . والثاني : لا يبرأ حتى يردها على ربها لان الابراء لا يكون الا عن
حق في الذمة فلم يصح .
قال المصنف رحمه الله تعالى
( فصل ) إذا اختلف المودع والمودع فقال أودعتك وديعة وأنكرها
المودع فالقول قوله ، لما روى ابن عباس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم
قال " لو أن الناس أعطوا بدعاويهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم
ولكن اليمين على المدعى عليه والبينة على من أنكر " ولان الأصل أنه لم يودعه
فكان القول قوله .
( فصل ) وان ادعى أنها تلفت نظرت ، فإن ادعى التلف بسبب ظاهر
كالنهب والحريق لم يقبل حتى يقيم البينة على وجود النهب والحريق ، لان الأصل
أن لا نهب ولا حريق ، ويمكن إقامة البينة عليها ، فلم يقبل قوله من غير بينة
فان أقام البينة على ذلك أو ادعى الهلاك بسبب يخفى فالقول قوله مع اليمين أنها
هلكت ، لان الهلاك يتعذر إقامة البينة عليه ، فقبل قوله مع يمينه .
( فصل ) وإن اختلفا في الرد فالقول قوله مع يمينه ، لأنه أخذ العين لمنفعة
المالك فكان القول في الرد قوله ، وإن ادعى عليه أنه أودعه فأنكر الايداع
فأقام المودع بينة بالايداع فقال المودع : صدقت البينة أودعتني ، ولكنها تلفت
أو رددتها لم يقبل قوله ، لأنه صار خائنا ضامنا فلا يقبل قوله في البراءة بالرد
والهلاك ، فإن قال : أنا أقيم البينة بالتلف أو الرد ففيه وجهان
( أحدهما ) أنها تسمع ، لأنه لو صدقه المدعى ثبتت براءته ، فإذا قامت البينة
سمعت ( والثاني ) لا تسمع ، لأنه كذب البينة بإنكاره الايداع ، فأما إذا ادعى
عليه أنه أودعه فقال : ماله عندي شئ فأقام البينة بالايداع فقال : صدقت البينة
أودعتني ، ولكنها تلفت أو رددتها قبل قوله مع اليمين لأنه صادق في إنكاره أنه
لا شئ عنده ، لأنها إذا تلفت أو ردها عليه لم يبق له عنده شئ والله أعلم .