اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ } بِخِلَافِ الشُّرْبِ فَإِذَا خُلِطَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلشُّرْبِ جَازَ وَأَمَّا لِلْبَيْعِ فَلَا وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَخْلُوطٌ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْخَلْطِ فَيَبْقَى الْبَيْعُ مَجْهُولاً وَهُوَ غَرَرٌ .
وَهَكَذَا كُلَّمَا كَانَ مِن المَغْشُوشِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ قَدْرُ غِشِّهِ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ بَيْعِهِ وَعَنْ عَمَلِهِ لِمَنْ يَبِيعُهُ وَكَذَلِكَ خَلْطُ الْمُشَاقِّ بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ وَكُلُّ مَا كَانَ مِن الغِشِّ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الْغِشِّ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ أَفْتَى طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا : أَنَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ بِتَمْزِيقِ الثَّوْبِ الَّذِي غَشَّهُ وَالتَّصَدُّقُ بِالطَّعَامِ الَّذِي غَشَّهُ كَمَا شَقَّ النَّبِيُّ ظُرُوفَ الْخَمْرِ وَكَسَرَ دِنَانَهَا وَكَمَا أَمَرَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَكَمَا { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنْ يُحَرِّقَ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ .
وَكَمَا حَرَّقَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْعِجْلَ وَلَمْ يُعِدْهُ إلَى أَهْلِهِ وَكَمَا تُكْسَرُ آلَاتُ الْمَلَاهِي ، وَنَظَائِرُ هَذِهِ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ فِي الْأَمْوَالِ تَتْبَعُ حَيْثُ جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ كَالْعُقُوبَاتِ بِالْأَبْدَانِ .
وَادَّعَى طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَلَا حُجَّةَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ أَصْلاً فَكَمَا أَنَّ الْبَدَنَ إذَا قَامَ بِهِ الْفُجُورُ قَدْ يَتْلَفُ فَالْمَالُ الَّذِي قَامَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 363
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٣