وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ } وَأَبْطَلَهُ الصَّحَابَةُ ؛ فَإِنَّهُمْ أَشْغَرُوا النِّكَاحَ عَنْ مَهْرٍ .
هَذَا هُوَ الْعِلَّةُ فِي نُصُوصِ أَحْمَد الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ .
وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ : الْعِلَّةُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ؛ فَإِنَّ الْبُضْعَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ اشْتِرَاكٌ ؛ بَلْ كُلٌّ مِن الزَّوْجَيْنِ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ بِلَا شَرِكَةٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ صَدَاقَهَا بُضْعَ الْأُخْرَى فَالْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ لَمْ تَمْلِكْ بُضْعَ الْمَرْأَةِ وَلَا يُمْكِنْ هَذَا ؛ فَإِنَّ امْرَأَةً لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَةً ؛ وَلَكِنْ جَعَلَتْ لِوَلِيِّهَا مَا تَسْتَحِقُّهُ مِن المَهْرِ فَوَلِيُّهَا هُوَ الَّذِي مَلَكَ الْبُضْعَ وَجَعَلَ صَدَاقَهَا مِلْكَ وَلِيِّهَا الْبُضْعَ وَهِيَ لَمْ تَمْلِكْ شَيْئاً ؛ فَلِهَذَا كَانَ شِغَاراً .
وَالْمَكَانُ الشَّاغِرُ الْخَالِي .
وَشَغَرَتْ هَذِهِ الْجِهَةُ أَيْ خَلَتْ .
وَمَنْ أَصْدَقَتْ شَيْئاً وَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَا أَصْدَقَتْهُ لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ لَازِماً وَأُعْطِيَتْ بَدَلَهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَأَوْلَى : { فَإِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } .
وَمَنْ الْتَزَمَتْ بِالنِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحَصِّلَ مَا رَضِيَتْهُ فَقَدْ الْتَزَمَتْ بِالنِّكَاحِ الَّذِي لَمْ تَرْضَ بِهِ وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ أَوْلَى .
وَالشَّارِعُ لَمْ يُلْزِمْهَا النِّكَاحَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا هِيَ الْتَزَمَتْهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَا يَجِبُ بِإِلْزَامِ الشَّارِعِ أَوْ بِالْتِزَامِهِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فَلَا مَعْنَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 343
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٣