من موسى بقوله : «
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
» مختصّا به ، فكان الجواب « لن تراني » مطابقا للسؤال ، ألا ترى أنّك لو كلّفت سفير الملك الخصيص به من دون سفرائه وسائر أوليائه أن يطلب لك منه أمرا متعذّرا لا يليق بالملك ، وكنت لا تعرف شيئا من ذلك ، ولم تقنع من السفير بتعذّر الأمر وعدم لياقته بالملك ، وكان السفير مبتلى بك لا مندوحة له عن إقناعك بالواقع رأفة منه بك ، فطلب لنفسه من الملك بمحضر منك ذلك الأمر المتعذّر الذي التمسته منه ، فزجره الملك وردعه قائلا له : إنّك لن تصل إلى هذا الأمر ، فهل يستفاد من هذا القول أنّ ذلك الأمر من جائزه ؟ وبأيّة دلالة من الدلالات يدلّ هذا القول عليه ؟ وهذا المثل هو المناسب لما نحن فيه ، دون مثل الحجر والتفّاحة .
قال :
الحجّة الثالثة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية أنّه تعالى علّق رؤيته على أمر جائز ، والمعلّق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة « 1 » .
قلت : إنّما علّق اللّه - عزّ وجلّ - في الآية رؤيته على استقرار الجبل مكانه في حال كونه يندكّ ويهوي ذاهبا في جهاته ، كما نصّ عليه إمام العترة الطاهرة أبو الحسن الرضا « 2 » عليه السلام ، وتبنّاه جار اللّه الزمخشري في كشّافه « 3 » ، واستقرار الجبل في تلك الحال ممتنع ، كما لا يخفى .
وأيضا سبق في علم اللّه سبحانه منذ الأزل أنّ هذا الجبل سيندكّ بمجرّد أن يتجلّى اللّه له بآيته ، فإذا تخلّف اندكا كه عن التجلّي ، أو استقرّ لحظة أو دونها انقلب علمه جهلا ، وذلك من أعظم المستحيلات ، وإذن فاستقراره الذي علّقت عليه الرؤية من أعظم المستحيلات ، فتكون الرؤية من أعظمها امتناعا واستحالة .
هامش
( 1 ) - . المصدر .
( 2 ) - . تقدّم في ص 20 - 21 .
( 3 ) - . الكشّاف 155 : 2 ، ذيل الآية .