فلمّا أفاق من صعقته «
قالَ سُبْحانَكَ
» انزّهك عمّا لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها ، «
تُبْتُ إِلَيْكَ
» من طلب الرؤية «
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
» بأنّك لست بمرئيّ ولا مدرك بشيء من الحواسّ .
- قال : - فإن قلت : فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته فممّا تاب ؟
- قال : - قلت : من إجرائه تلك المقالة العظيمة وإن كان لغرض صحيح على لسانه من غير إذن فيه من اللّه تعالى ( 1 ) ، فانظر إلى إعظام اللّه تعالى أمر الرؤية في هذه الآية ، وكيف أرجف الجبل بطالبيها ، وجعله دكّا ، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من ذلك مبالغة في إعظام الأمر ، وكيف سبّح موسى ربّه ملتجئا إليه ، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه ، وقال : «
أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
» ثمّ تعجّب ( 2 ) من المتسمّين بالإسلام المتسمّين بأهل السنّة والجماعة كيف اتّخذوا هذه العظيمة مذهبا ، ولا يغرّنّك تستّرهم بالبلكفة ، فإنّه من منصوبات أشياخهم ، والقول ما قال بعض العدليّة فيهم :
لجماعة سمّوا هواهم سنّة وجماعة حمر لعمري موكفه قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا شنع الورى فتستّروا بالبلكفه - قال : - وتفسير آخر ، وهو أن يريد موسى بقوله : «
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
» عرّفني نفسك تعريفا واضحا جليّا ، كأنّها إراءة في جلائها بآية مثل آيات القيامة التي تضطرّ الخلق إلى معرفتك . «
أَنْظُرْ إِلَيْكَ
» أعرفك معرفة اضطرار ، كأنّي أنظر إليك ، كما جاء في الحديث :
« سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر » ( 3 ) ، بمعنى ستعرفونه معرفة جليّة هي في
شرح
( 1 ) قد مرّ « 1 » عليك في كلام الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّ موسى كان قد استأذن من اللّه فأذن له بذلك ، فتكون توبته من جرأته على النطق بذلك الطلب ، وإن كان لغرض صحيح ، وكان مأذونا به من اللّه تعالى .
( 2 ) « تعجّب » فعل أمر ، فاعله ضمير أنت ، معطوف على قوله : « فانظر إلى إعظام اللّه تعالى » .
( 3 ) لم يصحّ هذا الحديث ولا شيء ممّا يروى بمعناه ، كما سنوضّح ذلك في محلّه من هذا الإملاء .
هامش
( 1 ) - . في ص 20 - 21 .