فلم تمتنعا عليه ، وتكوّنتا فورا ، كما أرادهما وكانتا في ذلك كالعبد المطيع ، يرد عليه أمر مولاه المطاع ، فيبادر إلى الامتثال فورا . وهذا ممّا يسمّيه أهل البيان بالمجاز على سبيل التمثيل والتصوير ، وما أكثره في الكتاب والسنّة ، وكلام بلغاء العرب . ومنه قوله تعالى :
«
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا
» « 1 » وقد فصّلنا القول في هذه الآية ونظائرها ممّا جاء مجازا على سبيل التمثيل والتصوير في رسالتنا فلسفة الميثاق والولاية « 2 » ، فلتراجع .
على أنّ في هذا الوجه خروجا عن محلّ البحث ، فإنّ محلّه رؤية ذات اللّه - عزّ وجلّ - بحاسّة ذوي الحواسّ من مخلوقاته ، فلو فرضنا أنّ للجبل ونحوه رؤية أخرى تناسب الجماد ، فإنّما تكون بغير هذه الحواسّ ، وعلى كيفيّة أخرى غير كيفيّة ذوي الأبصار ، وتلك ليست من محلّ النزاع في شيء ، كما لا يخفى .
نصوص أئمّة العترة في الموضوع
فعن أمير المؤمنين عليه السلام من خطبة له ، ذكر فيها ابتداء خلق السماوات والأرض ، وخلق آدم عليه السلام ، وهي الأولى من خطب نهج البلاغة : « الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعماءه العادّون ، . . . الذي لا يدركه بعد الهمم ( 1 ) ، ولا يناله غوص الفطن ( 2 ) ،
شرح
( 1 ) أي إنّ همم النظّار وأصحاب الفكر وإن علت وبعدت فإنّها لا تدركه تعالى ولا تحيط به علما .
( 2 ) الفطن : جمع فطنة ، وغوصها : استغراقها في بحر المعقولات لتلتقط درر الحقيقة ، وهي - وإن بعدت في الغوص - لا تنال حقيقة الذات الأقدس .
هامش
( 1 ) - . الأعراف 172 : 7 .
( 2 ) - . راجع الموسوعة ج 4 ، فلسفة الميثاق والولاية ، المقام الأوّل .