قال : وقد أجمع العقلاء على أنّ موسى عليه السلام ما كان في العلم باللّه بأقلّ منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة ، فلمّا كان كلّهم عالمين بامتناع الرؤية على اللّه تعالى ، وفرضنا أنّ موسى عليه السلام لم يعرف ذلك ، كانت معرفته باللّه أقلّ درجة من معرفة أقلّ واحد من أراذل المعتزلة ، وذلك باطل بإجماع المسلمين .
قلت : كشف الإمام الرضا عليه السلام عن الوجه في هذا السؤال ، بما يرفع الإشكال ، ولا يبقى معه للرازي ولسائر المشكّكين مجال ، فليراجع جوابه للمأمون وقد مرّ آنفا « 1 » .
قال :
الحجّة الثانية : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالّة على أنّه تعالى جائز الرؤية ، وذلك ؛ لأنّه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا أرى ، ألا ترى أنّه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان : ناولني هذا لآكله ، فإنّه يقول له : هذا لا يؤكل ، ولا يقول له :
لا تأكله ، ولو كان في يده بدل الحجر تفّاحة ، لقال له : لا تأكلها ، أي هذا ممّا يؤكل ولكنّك أنت لا تأكله ، فلمّا قال تعالى : «
لَنْ تَرانِي
» ، ولم يقل : لا أرى ، علمنا أنّ هذا يدلّ على أنّه تعالى في ذاته جائز الرؤية « 2 » .
قلت : علمت ممّا تقدّم آنفا أنّ موسى عليه السلام حين لجّ عليه أصحابه برؤية اللّه - عزّ وجلّ - وأراد أن يقنعهم بامتناعها سألها من اللّه تعالى لنفسه بمحضر السبعين من خيرتهم ؛ ليسمعوا النصّ من عنداللّه على استحالتها ، فقال : «
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
» قال اللّه تعالى - وهم يسمعون - : إنّك «
لَنْ تَرانِي
» وحين سمعوا زجر موسى والإنكار عليه ، مع نبوّته ، وعظيم اختصاصه وزلفته ، علموا أنّهم أولى بالزجر والإنكار ، وأنّ رؤيته تعالى ممّا لا يكون ولا يجوز ؛ إذ لو جازت ، لكانت لنبيّ اللّه ونجيّه .
وإنّما قال : «
لَنْ تَرانِي
» ولم يقل : لن أرى ؛ لأنّ اللّه سبحانه أراد بهذا تعظيم موسى بما يدلّ على أنّه هو مع قربه إليه ومنزلته عنده لن يراه فضلا عمّن سواه ، وأيضا كان الطلب
هامش
( 1 ) - . تقدّم في ص 20 - 21 .
( 2 ) - . التفسير الكبير 7 الجزء 240 : 14 ، ذيل الآية .