تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
كَانَ خَالِقاً لِفِعْلِهِ - كَشَفَاعَةِ نُوحٍ لِابْنِهِ وَشَفَاعَةِ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ وَشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي ابْنِ سلول حِينَ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ . وَقَوْلُهُ { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ } قَدْ قُلْتُمْ : إنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ . فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْإِذْنَ الْقَدَرِيَّ : لَكَانَ كُلُّ شَفَاعَةٍ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ كَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ كُفْرٍ وَسِحْرٍ . وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ مَا يَكُونُ بِإِذْنِهِ وَمَا لَا يَكُونُ بِإِذْنِهِ . وَلَوْ أَرَادَ الْإِذْنَ الشَّرْعِيَّ فَقَطْ : لَزِمَ قَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ . وَهَؤُلَاءِ قَدْ شَفَعُوا بِغَيْرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ ؟ . قِيلَ : الْمَنْفِيُّ مِن الشَّفَاعَةِ بِلَا إذْنٍ : هِيَ الشَّفَاعَةُ التَّامَّةُ وَهِيَ الْمَقْبُولَةُ كَمَا فِي قَوْلِ الْمُصَلِّي " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " أَيْ اسْتَجَابَ لَهُ . وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وَقَوْلِهِ { إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } وَقَوْلِهِ { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّ الْهُدَى وَالْإِنْذَارَ وَالتَّذْكِيرَ وَالتَّعْلِيمَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَبُولِ الْمُتَعَلِّمِ . فَإِذَا تَعَلَّمَ حَصَلَ لَهُ التَّعْلِيمُ الْمَقْصُودُ . وَإِلَّا قِيلَ : عَلَّمْته فَلَمْ يَتَعَلَّمْ . كَمَا قِيلَ { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } فَكَذَلِكَ الشَّفَاعَةُ . فَالشَّفَاعَةُ : مَقْصُودُهَا قَبُولُ الْمَشْفُوعِ إلَيْهِ - وَهِيَ الشَّفَاعَةُ التَّامَّةُ . فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا بِإِذْنِهِ . وَأَمَّا إذَا شَفَعَ شَفِيعٌ فَلَمْ تُقْبَلْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 386 | ابن تيمية