تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
مِن المَخْلُوقَاتِ . بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ سَبَباً لِمَا يَفْعَلُهُ . وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَدَرِ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ . وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ . وَهُوَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَمَا هُوَ خَالِقُ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ : مَا زِلْت أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : إنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ . وَلَكِنَّ هَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ . فَإِنَّهُمْ إذَا جَعَلُوا الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يُحْدِثُ وَيَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ : لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ قَدْ جَعَلَ رَبَّهُ فَاعِلاً لِمَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً لَهُ . فَبِدُعَائِهِ جَعَلَهُ مُجِيباً لَهُ وَبِتَوْبَتِهِ جَعَلَهُ قَابِلاً لِلتَّوْبَةِ وَبِشَفَاعَتِهِ جَعَلَهُ قَابِلاً لِلشَّفَاعَةِ . وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْمَخْلُوقَ يَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ . فَإِنَّ " الْإِذْنَ " نَوْعَانِ : إذْنٌ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَالْخَلْقِ وَإِذْنٌ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ وَالْإِجَازَةِ . فَمِن الأَوَّلِ : قَوْلُهُ فِي السِّحْرِ { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ . وَإِلَّا فَهُوَ لَمْ يُبِحْ السِّحْرَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 383 | ابن تيمية