وَالصَّوَابُ : قَوْلُ الْجُمْهُورِ .
أَنَّ هَذَا كَقَوْلِهِ { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } فَإِنَّهُ يَنْفِي التَّحْرِيمَ عَنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَيُثْبِتُهَا لَهَا .
لَكِنْ أَثَبَتَهَا لِلْجِنْسِ .
أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِن العُلَمَاءِ ؟ كَمَا يُقَالُ : إنَّمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ .
وَلَا يَحُجُّ إلَّا مُسْلِمٌ .
وَذَلِك أَنَّ الْمُسْتَثْنَى هَلْ هُوَ مُقْتَضٍ أَوْ شَرْطٌ ؟ .
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا : هُوَ مُقْتَضٍ .
فَهُوَ عَامٌّ .
فَإِنَّ الْعِلْمَ بِمَا أَنَذَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ يُوجِبُ الْخَوْفَ .
فَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ يُوجِبُ الْخَشْيَةَ الْحَامِلَةَ عَلَى فِعْلِ الْحَسَنَاتِ .
وِتْرِك السَّيِّئَاتِ .
وَكُلُّ عَاصٍ فَهُوَ جَاهِلٌ .
لَيْسَ بِتَامِّ الْعِلْمِ .
يُبَيِّنُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ أَصْلَ السَّيِّئَاتِ الْجَهْلُ ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ .
فَعَدَمُ الْعِلْمِ لَيْسَ شَيْئاً مَوْجُوداً .
بَلْ هُوَ مِثْلُ عَدَمِ الْقُدْرَةِ ، وَعَدَمِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، وَسَائِرِ الأعدام .
وَالْعَدَمُ : لَا فَاعِلَ لَهُ .
وَلَيْسَ هُوَ شَيْئاً .
وَإِنَّمَا الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ .
فَلَا يَجُوز أَنْ يُضَافَ الْعَدَمُ الْمَحْضُ إلَى اللَّهِ .
لَكِنْ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ .
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِماً بِاَللَّهِ ، لَا يَدْعُوهُ إلَى الْحَسَنَاتِ ، وَتَرْكِ السَّيِّئَاتِ .
وَالنَّفْسُ بِطَبْعِهَا مُتَحَوِّلَةٌ .
فَإِنَّهَا حَيَّةٌ .
وَالْإِرَادَةُ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ مِنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 294
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٤