وَيَقْتَضِي أَيْضاً : أَنَّ الْعَالِمَ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ .
كَمَا قَالَ السَّلَفُ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْماً ، وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ جَهْلاً " .
وَمِثْلُ هَذَا الْحَصْرُ يَكُونُ مِن الطَّرَفَيْنِ .
حَصْرُ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي .
وَهُوَ مُطَّرِدٌ ، وَحَصْرُ الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ نَحْوَ قَوْلِهِ { إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } وَقَوْلِهِ { إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } وَقَوْلِهِ { إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ } .
وَذَلِك : أَنَّهُ أَثْبَتَ الْخَشْيَةَ لِلْعُلَمَاءِ ، وَنَفَاهَا عَنْ غَيْرِهِمْ .
وَهَذَا كَالِاسْتِثْنَاءِ .
فَإِنَّهُ مِن النَّفْيِ : إثْبَاتٌ ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .
كَقَوْلِنَا " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " قَوْله تَعَالَى { وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } وَقَوْلِهِ { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } وَقَوْلِهِ { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } .
وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَسْكُوتٌ عَنْهُ .
لَمْ يُثْبِتْ لَهُ مَا ذَكَرَ .
ولم يَنْفِ عَنْهُ .
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ ذَلِك فِي صِيغَةِ الْحَصْرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .
فَيَقُولُونَ : نَفَى الْخَشْيَةَ عَنْ غَيْرِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَمْ يُثْبِتْهَا لَهُمْ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 293
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٣