تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
فَقَالَتْ الْمُثْبِتَةُ مِن الجَهْمِيَّة الْمُجْبِرَةِ : بَلْ كُلُّ الْأَفْعَالِ جَائِزَةٌ عَلَيْهِ ، كَمَا جَازَ ذَلِك الْخَاصُّ . وَإِنَّمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُ ، أَوْ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ : بِالْخَبَرِ ، خَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْهُ . وَإِلَّا فَمَهْمَا قَدَّرَ : جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَجَازَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ . لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ سَبَبٌ وَلَا حِكْمَةٌ ، وَلَا صِفَةٌ تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِبَعْضِ الْأَفْعَالِ دُونَ بَعْضٍ . بَلْ لَيْسَ إلَّا مَشِيئَةٌ ، نِسْبَتُهَا إلَى جَمِيعِ الْحَوَادِثِ سَوَاءٌ . تَرَجَّحَ أَحَدُ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجَّحٍ . فَقِيلَ لَهُمْ : فَيَجُوزُ تَأْيِيدُ الْكَذَّابُ بِالْمُعْجِزِ . فَلَا يَبْقَى الْمُعْجِزُ دَلِيلاً عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ . فَلَا يَبْقَى خَبَرُ نَبِيٍّ يَعْلَمُ بِهِ الْفَرْقَ . فَيَلْزَمُ - مَعَ الْكُفْرِ بِالْأَنْبِيَاءِ - أَنْ لَا يَعْلَمَ الْفَرْقَ ، لَا بِسَمْعِ وَلَا بِعَقْلِ . فَاحْتَالُوا لِلْفَرَقِ بَيْن الْمُعْجَزَاتِ وَغَيْرِهَا . بِأَنَّ تَجْوِيزَ إتْيَانِ الْكَذَّابِ بِالْمُعْجِزَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعْجِيزَ الْبَارِي تَعَالَى عَمَّا بِهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ . أَوْ لِأَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الصَّدْقِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ . كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِك فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَبَيْنَ خَطَأِ الطَّائِفَتَيْنِ . وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا جَهْماً فِي الْجَبْرِ - وَنَفَوْا حِكْمَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ ، وَالْأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يَفْعَلُ ، وَمَا خَلَقَهُ مِن القُوَى وَغَيْرِهَا - هُمْ مُبْتَدِعَةٌ مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ ، مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ . كَمَا أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ الْنُّفَاةِ : مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ ، مَعَ مُخَالِفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 271 | ابن تيمية