قَلْبِكَ } فَأَخْبَرَ : أَنَّهُ - بِتَقْدِيرِ الِافْتِرَاءِ - لَا بُدَّ أَنْ يُعَاقِبَ مَنْ افْتَرَى عَلَيْهِ .
فَصْلٌ :
وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا اضْطَرَبَ فِيهِ النَّاسُ ، فَاسْتَدَلَّتْ الْقَدَرِيَّةُ الْنُّفَاةِ وَالْمُجْبِرَةُ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يُضِلَّ شَخْصاً : جَازَ أَنْ يُضِلَّ كُلَّ النَّاسِ .
وَإِذَا جَازَ أَنْ يُعَذِّبَ حَيَوَاناً بِلَا ذَنْبٍ وَلَا عِوَضٍ : جَازَ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ حَيٍّ بِلَا ذَنْبٍ وَلَا عِوَضٍ .
وَإِذَا جَازَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعِينَ وَاحِداً مِمَّنْ أَمَرَهُ عَلَى طَاعَةِ أَمْرِهِ : جَازَ أَنْ لَا يُعِينَ كُلَّ الْخَلْقِ .
فَلَمْ تُفَرِّقْ الطَّائِفَتَانِ بَيْنَ الشَّرِّ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ .
وَبَيْنَ الشَّرِّ الْإِضَافِيِّ ، وَالشَّرِّ الْمُطْلَقِ .
وَلَمْ يَجْعَلُوا فِي الشَّرِّ الْإِضَافِيِّ حِكْمَةً يَصِيرُ بِهَا مِنْ قِسْمِ الْخَيْرِ .
ثُمَّ قَالَ الْنُّفَاةِ : وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ .
فَإِنَّا لَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِ هَذَا لَجَوَّزْنَا عَلَيْهِ تَأْيِيدَ الْكَذَّابِ بِالْمُعْجِزَاتِ ، وَتَعْذِيبَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِكْرَامَ الْكُفَّارِ ، وَغَيْرَ ذَلِك ، مِمَّا يَسْتَعْظِمُ الْعُقَلَاءُ إضَافَتَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى .
مجموعة الفتاوى — صفحة 270
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٠